الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦١ - وصف النعمان بن المنذر و ذكر ما حدث في مجلس له
لامه قومه على كثرة وصفه الأسد مخافة أن تسبهم العرب فأجابهم
و هي قصيدة طويلة. فلامه قومه على كثرة وصفه للأسد، و قالوا له: قد خفنا أن تسبّنا العرب بوصفك له.
قال: لو رأيتم منه ما رأيت أو لقيكم ما لقي أكدر لما لمتموني. ثم أمسك عن وصفه فلم يصفه بعد ذلك في شعره حتى مات.
وصف النعمان بن المنذر و ذكر ما حدث في مجلس له
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني أبو سعيد السكّريّ قال حدّثني هارون بن مسلم بن سعدان أبو القاسم قال حدّثنا هشام ابن الكلبيّ قال: كان الأجلح الكنديّ يحدّث عن عمارة بن قابوس قال:
لقيت أبا زبيد الطائيّ فقلت له: يا أبا زبيد هل أتيت النّعمان بن المنذر؟ قال إي و اللّه لقد أتيته و جالسته. قال قلت: فصفه لي. فقال: كان أحمر أزرق أبرش قصيرا. فقلت له: باللّه أخبرني أ يسرّك أنه سمع مقالتك هذه و أنّ لك حمر النّعم؟ قال: لا و اللّه و لا سودها؛ فقد رأيت ملوك حمير في ملكها، و رأيت ملوك غسّان في ملكها، فما رأيت أحدا قطّ كان أشدّ عزّا منه. و كان ظهر الكوفة ينبت الشقائق، فحمى ذلك المكان، فنسب إليه فقيل «شقائق النّعمان».
/ فجلس ذات يوم هناك و جلسنا بين يديه كأنّ على رءوسنا الطّير، و كأنه باز. فقام رجل من الناس فقال له:
أبيت اللعن! أعطني فإنّي محتاج. فتأمّله طويلا ثم أمر به فأدنى حتّى قعد بين يديه، ثم دعا بكنانة فاستخرج منها مشاقص [١] فجعل يجأبها في وجهه [٢] حتى سمعنا قرع العظام، و خضبت لحيته و صدره بالدم، ثم أمر به فنحّي.
و مكثنا مليّا.
ثم نهض آخر فقال له: أبيت اللّعن! أعطني. فتأمّله ساعة ثم قال: أعطوه ألف درهم، فأخذها و انطلق.
ثم التفت عن يمينه/ و يساره و خلفه، فقال: ما قولكم في رجل أزرق أحمر يذبح على هذه الأكمة، أ ترون دمه سائلا حتى يجري في هذا الوادي؟ فقلنا له: أنت- أبيت اللعن- أعلى برأيك عينا. فدعا برجل على هذه الصّفة فأمر به فذبح.
ثم قال: أ لا تسألوني عما صنعت؟ فقلنا: و من يسألك- أبيت اللعن- عن أمرك و ما تصنع؟ فقال:
أما الأوّل فإني خرجت مع أبي نتصيّد، فمررت به و هو بفناء بابه و بين يديه عسّ من شراب أو لبن، فتناولته لأشرب منه، فثار إليّ فهراق الإناء فملا وجهي و صدري، فأعطيت اللّه عهدا لئن أمكنني منه لأخضبنّ لحيته و صدره من دم وجهه.
و أما الآخر فكانت له عندي يد كافأته بها، و لم أكن أثبته، فتأمّلته حتى عرفته [٣].
و أما الذي ذبحته فإنّ عينا لي بالشام كتب إليّ: إنّ جبلة بن الأيهم قد بعث إليك برجل صفته كذا و كذا ليغتالك. فطلبته أياما فلم أقدر عليه، حتى كان اليوم.
[١] المشقص، كمنبر: نصل عريض أو سهم فيه ذلك.
[٢] الوجء: الضرب.
[٣] أثبته: عرفه حق المعرفة. و الكلام من «و لم أكن» إلى هنا ساقط من ف.