الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٦ - وجوه أهل الكوفة من القراء يختلفون إلى سعيد بن العاص و اختلافهم في تفضيل السهل على الجبل و ما ترتب على ذلك
و كلّ أجرد كالسّرحان أضمره
مسح الأكفّ و سقى بعد إطعام [١]
مستحقبات رواياها جحافلها
يسمو بها أشعريّ طرفه سام [٢]
- الروايا: الإبل التي تحمل أثقالهم و أزوادهم، و تجنب [٣] الخيل إليها فتضع حجافلها [٤] على أعجاز الإبل-
لا يزجر الطّير إن مرّت به سنحا
و لا يفيض على قدح بأزلام [٥]
و قال المدائني: لما مدح الحطيئة أبا موسى رضي اللّه عنه بهذه القصيدة وصله أبو موسى- و قد كان كتب من أراد و كملت العدّة- فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فكتب يلومه، فكتب إليه: إني اشتريت منه عرضي، فكتب إليه: أحسنت. قال: و زاد فيه حمّاد الراوية أنه- يعني نفسه- أنشدها بلال بن أبي بردة و لم يكن عرفها فوصله.
أخبرني القاضي أبو خليفة إجازة قال حدّثنا محمد بن سلام قال أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال:
قدم حماد الراوية البصرة على بلال بن أبي بردة و هو عليها فقال له: ما أطرفتني شيئا يا حمّاد! فعاد إليه فأنشده قول الخطيئة في أبي موسى، فقال له: ويحك! يمدح الحطيئة أبا موسى و أنا أروي شعره كله و لا أعلم بهذه؟
أدعها تذهب في الناس.
و كانت ولاية أبي موسى الكوفة بعد أن أخرج أهلها سعيد بن العاصي عنها، و تحالفوا ألا يولّوا عليها إلا من يريدون [٦].
وجوه أهل الكوفة من القراء يختلفون إلى سعيد بن العاص و اختلافهم في تفضيل السهل على الجبل و ما ترتب على ذلك
أخبرني بالسبب في ذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثنا المدائني عن أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق قال:
كان قوم من وجوه أهل الكوفة من القرّاء يختلفون إلى سعيد بن العاص و يسألونه، فتذاكروا يوما السهل و الجبل، فقال حسان بن محدوج: سهلنا خير من جبلنا: أكثر برّا و شعيرا، فيه أنهار مطّردة، و نخل باسقات، و قلّت فاكهة ينبتها الجبل إلا و السهل ينبت مثلها. فقال له/ عبد الرحمن بن حبيش: صدقتم، وددت أنه للأمير و أنّ لكم أفضل منه. فقال الأشتر: تمنّ للأمير أفضل و لا تتقرّب إليه بأموالنا، فقال: ما ضرّك ذلك. و اللّه لو يشاء أن يكون له لكان. قال كذبت و اللّه لو أراد ذلك ما قدر عليه. فقال سعيد: و اللّه ما السواد إلا بستان لقريش، ما شئنا أخذنا منه،
[١] السرحان: الذئب.
[٢] مستحقبات، من استحقب الشيء: شدّه في مؤخر الرحل و احتمله خلفه.
[٣] تجنب إليها: تقاد إلى جنبها.
[٤] جحافلها: شفاها.
[٥] الأزلام: جمع زلم، و هو القدح الذي كان يستسقم به.
[٦] في ف: «يختارون».