الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩١ - مر يخطر بمسجد البصرة فسأل عنه رجل فأنشد هو شعرا
قال: أعلمتم أنّي في طلب هذا البيت منذ سنة، فما ظفرت به إلّا آنفا، و أحسبكم قد رأيتم السجدة له. ثم أسمعهم قوله:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
ثم أنشدهم كلمته الأخرى التي يقول فيها:
إذا اللّيل عن نشز تجلّى رمينه
بأمثال أبصار النّساء الفوارك
/ قال: فضرب الكميت بيده على صدر الطّرمّاح، ثم قال: هذه و اللّه الدّيباج لا نسجي و نسجك الكرابيس [١].
فقال الطرماح: لن أقول ذلك و إن أقررت بجودته. فقطّب [٢] ذو الرّمّة و قال: يا طرمّاح! أ أنت تحسن أن نقول:
و كائن تخطّت ناقتي من مفازة
إليك و من أحواض ماء مسدّم [٣]
بأعقاره القردان هزلى كأنّها
نوادر صيصاء الهبيد المحطّم [٤]
فأصغى الطّرمّاح إلى الكميت و قال له: فانظر ما أخذ من ثواب هذا الشعر!- قال: و هذه قصيدة مدح بها ذو الرّمّة عبد الملك، فلم يمدحه فيها و لا ذكره إلّا بهذين البيتين، و سائرها في ناقته. فلمّا قدم على عبد الملك بها أنشده إيّاها. فقال له: ما مدحت بهذه القصيدة إلا ناقتك، فخذ منها الثّواب. و كان ذو الرّمّة غير محظوظ من المديح- قال: فلم يفهم ذو الرمّة قول الطرماح للكميت. فقال له الكميت: إنه ذو الرمّة و له فضله، فأعتبه [٥] فقال له الطرماح: معذرة إليك! إنّ عنان الشّعر لفي كفّك، فارجع معتبا، و أقول فيك كما قال أبو المستهلّ.
مر يخطر بمسجد البصرة فسأل عنه رجل فأنشد هو شعرا
أخبرني الحسن بن علي و محمد بن يحيى الصّولي قالا حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن إبراهيم بن عبّاد قال حدّثني أبو تمّام الطائيّ قال:
مرّ الطرماح بن حكيم في مسجد البصرة و هو يخطر في مشيته. فقال رجل: من هذا الخطّار؟ فسمعه فقال: أنا الذي أقول:
صوت
لقد زادني حبّا لنفس أنّني
بغيض إلى كلّ امرئ غير طائل [٦]
[١] الكرابيس: جمع كرباس (بكسر الكاف) و هو ثوب غليظ من القطن.
[٢] كذا في ط، م. و في سائر الأصول: «فغضب».
[٣] الماء المسدم: المتغير لطول العهد.
[٤] في هذا البيت تحريف كثير في الأصول. و الصواب في ط و «الديوان». و الأعقار: جمع عقر. و عقر الحوض: مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردت. و في «الديوان»: «بأعطانه». و قد أشار شارح «الديوان» إلى روايتنا. و الأعطان: مبارك الإبل. و الهبيد: حب الحنظل.
و الصيصاء: الضاوي الهزيل منه. يقول: القردان ليس لديها شيء تأكله فهي هزلى؛ فشبهها بما يشذ و يخرج من ضاوي حب الحنظل. (راجع شرح «الديوان»).
[٥] أعتبه: أرضاه و أزال عتبه.
[٦] رجل غير طائل أي دون خسيس.