الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٥١ - شدد والي مكة في الغناء، فخرج فتية إلى وادي محسر و بعثوا لابن سريج فغناهم
/ قال: و لصوته دويّ في تلك الجبال. فقال ابن سريج: ويلك يا بن بركة! أسمعت أحسن من هذا الغناء و الشعر قطّ؟ قال: و نظروا إلينا فأقبلوا نشاوى يسحبون أعطافهم، و جعلوا يقبّلون وجه ابن سريج. فنزل فأقام عندهم ثلاثا و الغريض لا ينطق بحرف [واحد] [١]، و أخذوا في شرابهم و قالوا: يا حبيب النفس و شقيقها أعطها بعض مناها؛ فضرب بيده إلى جيبه فأخرج منه مضرابا، ثم أخذه بيده و وضع العود في حجره، فما رأيت يدا أحسن من يده، و لا خشبة تخيّلت إليّ أنّها جوهرة إلّا هي، ثم ضرب فلقد سبّح القوم جميعا ثم غنّى فكلّ قال: لبّيك لبّيك! فكان مما غنّى فيه- و اللحن له هزج-:
صوت
لبّيك يا سيّدتي
لبّيك ألفا عددا
لبّيك من ظالمة
أحببتها مجتهدا
قوموا إلى ملعبنا
نحك الجواري الخرّدا وضع يد فوق يد
ترفعها يدا يدا
فكلّ قال: نفعل ذاك. فلقد رأيتنا نستبق أينا تقع يده على يده. ثم غنّى:
صوت
ما هاج شوقك بالصّرائم
ربع أحال [٢] لأمّ عاصم
ربع تقادم عهده
هاج المحبّ على التّقادم
فيه النّواعم و الشّبا
ب الناعمون مع النّواعم
من كل واضحة الجبي
ن عميمة [٣] ريّا المعاصم
/ ثم إنه غنّى:
صوت
شجانيّ [٤] مغاني الحيّ و انشقّت العصا [٥]
و صاح غراب البين أنت مريض
ففاضت دموعي عند ذاك صبابة
و فيهن خود كالمهاة غضيض [٦]
و ولّيت محزون الفؤاد مروّعا
كتيبا و دمعي في الرّداء يفيض
- الغناء لابن محرز خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر، و فيه خفيف ثقيل آخر لابن جندب- قال: فلقد
[١] زيادة في ف.
[٢] أحال الشيء: مر عليه حول، مثل أحول الشيء.
[٣] امرأة عميمة: تامة القوام و الخلق طويلة.
[٤] في ف: «شجاك».
[٥] انشقاق العصا: كناية عن الفرقة.
[٦] الخود من النساء: الحسنة الخلق الشابة أو الناعمة. و الغضيض: الفاترة الطرف. يقال: امرأة غضيض، و طرف غضيض.