الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩٣ - ساومه جار له في شراء لقحة و عابها فأبى عليه و قال في ذلك شعرا
شعره في جار له كان يحسده و يذمه
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا ابن عائشة قال:
كان لأبي الأسود جار يحسده و تبلغه عنه قوارص، فلما باع أبو الأسود داره في بني الديل، و انتقل إلى هذيل، قال جار أبي الأسود لبعض جيرانه من هذيل: هل يسقيكم أبو الأسود من ألبان لقاحه؟ و كانت لا تزال عنده لقحه [١] أو لقحتان، و كان جاره هذا يصيب من الشراب، فبلغ أبا الأسود قوله، فقال فيه:
إن امرأ نبّئته من صديقنا
يسائل هل أسقي من اللبن الجارا؟
و إني لأسقي الجار في قعر بيته
و أشرب ما لا إثم فيه و لا عارا
شرابا حلالا يترك المرء صاحيا
و لا يتولّى يقلس الإثم و العارا [٢]
قصد صديقه حوثرة بن سليم فأعرض عنه فهجاه
أخبرني عبيد اللّه بن محمد الرازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز قال حدّثنا المدائنيّ قال:
كان لأبي الأسود صديق من بني قيس بن ثعلبة يقال له حوثرة بن سليم، فاستعمله عبيد اللّه بن زياد على جيّ [٣] و أصبهان، و كان أبو الأسود بفارس، فلما بلغه خبره أتاه فلم يجد عنده ما يقدّره، و جفاه حوثرة؛ فقال فيه أبو الأسود و فارقه:
/
تروّحت من رستاق جيّ عشية
و خلّفت في رستاق جيّ أخالكا
أخا لك إن طال التنائي وجدته
نسيّا و إن طال التعاشر ملّكا
و لو كنت سيفا يعجب الناس حدّه
و كنت له يوما من الدهر فلّكا [٤]
و لو كنت أهدى الناس ثم صحبته
و طاوعته ضلّ الهوى و أضلّكا
إذا جئته تبغي الهدى خالف الهدى
و إن جرت عن باب الغواية دلّكا
ساومه جار له في شراء لقحة و عابها فأبى عليه و قال في ذلك شعرا
قال المدائني: و كان لأبي الأسود جار، يقال له وثاق من خزاعة، و كان يحبّ اتّخاذ اللقاح/ و يغالي بها و يصفها، فأتى أبا الأسود و عنده لقحة غزيرة يقال لها: الصّفوف [٥] فقال له: يا أبا الأسود ما بلقحتك بأس لو لا عيب كذا و كذا، فهل لك في بيعها؟ فقال أبو الأسود: على ما تذكر فيها من العيب؟ فقال: إني أغتفر ذلك لها لما أرجوه من غزارتها، فقال له أبو الأسود: بئست الخلّتان فيك، الحرص، و الخداع، أنا لعيب مالي أشدّ اغتفارا؛ و قال أبو الأسود فيه:
[١] اللقحة: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن.
[٢] أصله من قلست الكأس: قذفت بالشراب لشدّة الامتلاء، و قلست النحل العسل: و مجته، و المعنى هنا: يعقب الإثم.
[٣] جيّ: مدينة ناحية أصبهان.
[٤] قل السيف: ثلمه.
[٥] كذا في ج، و في باقي الأصول: «الصعوف»، تصحيف.