الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٨ - أتاه معلى الطائي و مدحه فأجازه
بعض أخلاق عبد اللّه بن طاهر
فأمّا خبر عبد اللّه بن طاهر في صنعته هذا الصوت، فإنّ عبد اللّه كان بمحلّ من علوّ المنزلة و عظم القدر و لطف مكان من الخلفاء، يستغني به عن التقريظ له و الدّلالة عليه. و أمره في ذلك مشهور عند الخاصّة و العامّة، و له في الأدب مع ذلك المحلّ الذي لا يدفع، و في السماحة و الشجاعة ما لا يقاربه فيه كبير أحد.
فرّق خراج مصر و قال أبياتا أرضى بها المأمون
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد المبرّد أنّ المأمون أعطى عبد اللّه بن طاهر مال مصر لسنة خراجها و ضياعها، فوهبه كلّه و فرّقه في الناس، و رجع صفرا من ذلك، فغاظ المأمون فعله. فدخل إليه يوم مقدمه فأنشده أبياتا قالها في هذا المعنى، و هي:
/
نفسي فداؤك و الأعناق خاضعة
للنّائبات أبيّا غير مهتضم
إليك أقبلت من أرض أقمت بها
حولين بعدك في شوق و في ألم
أقفو مساعيك اللّاتي خصصت بها
حذو الشّراك على مثل من الأدم
فكان فضلي فيها أنّني تبع
لما سننت من الإنعام و النّعم
و لو وكلت إلى نفسي غنيت بها
لكن بدأت فلم أعجز و لم ألم
فضحك المأمون و قال: و اللّه ما نفست عليك مكرمة نلتها و لا أحدوثة حسن عنك [١] ذكرها، و لكن هذا شيء إذا عوّدته نفسك افتقرت و لم تقدر على لم شعثك و إصلاح حالك. و زال ما كان في نفسه.
أتاه معلى الطائي و مدحه فأجازه
أخبرني وكيع قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن فرقد قال أخبرني محمد بن الفضل بن محمد بن منصور قال:
/ لمّا افتتح عبد اللّه بن طاهر مصر و نحن معه، سوّغه المأمون خراجها. فصعد المنبر فلم يزل حتّى أجاز بها كلّها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها. فأتاه معلى الطائيّ و قد أعلموه ما قد صنع عبد اللّه بن طاهر بالنّاس في الجوائز، و كان عليه واحدا، فوقف بين يديه تحت المنبر فقال: أصلح اللّه الأمير! أنا معلّى الطائيّ، و قد بلغ منّي ما كان منك [إليّ] [٢] من جفاء و غلظ. فلا يغلظنّ عليّ قلبك، و لا يستخفّنّك الذي بلغك، أنا الذي أقول:
يا أعظم النّاس عفوا عند مقدرة
و أظلم الناس عند الجود للمال
لو أصبح النّيل يجري ماؤه ذهبا
لما أشرت إلى خزن بمثقال
تغلي [٣] بما فيه رقّ الحمد تملكه
و ليس شيء أعاض الحمد بالغالي
تفكّ باليسر كفّ العسر من زمن
إذا استطال على قوم بإقلال
[١] في بعض الأصول: «حسن عندك» تحريف.
[٢] زيادة في ف.
[٣] أغلى بالشيء و أغلاه مثل غالى بالشيء و غالاه: جعله غاليا.