الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩٩ - خبره مع الحارث بن خليد و شعره فيه
كان أبو الأسود له على باب داره دكّان يجلس عليه، مرتفع عن الأرض إلى قدر صدر الرجل، فكان يوضع بين يديه خوان على قدر الدكان، فإذا مرّ به مارّ فدعاه إلى الأكل لم يجد موضعا يجلس فيه، فمرّ به ذات يوم فتى فدعاه إلى الغداء، فأقبل فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له: يا أبا الأسود، إن عزمت على الغداء فانزل، و جعل يأكل و أبو الأسود ينظر إليه مغتاظا حتى أتى على الطعام، فقال له أبو الأسود: ما اسمك يا فتى؟ قال: لقمان الحكيم، قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك.
قال المدائني: و بلغني أنّ رجلا دعاه أبو الأسود إلى طعامه و هو على هذا الدكان، فمدّ يده ليأكل، فشب به فرسه فسقط عنه/ فوقص [١].
كان أبو الجارود صديقا له فلما ولى ولاية جفاه فقال فيه شعرا
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال:
كان أبو الجارود سالم بن سلمة بن نوفل الهذليّ صديقا لأبي الأسود، يهاديه الشعر، و يجيب كل واحد منهما صاحبه، و يتعاشران و يتزاوران، فولى أبو الجارود ولاية، فجفا أبا الأسود و قطعه، و لم يبدأه بالمكاتبة و لا أجابه عنها، فقال فيه أبو الأسود:
أبلغ أبا الجارود عني رسالة
يروح بها الغادي لربعك أو يغدو
فيخبرنا ما بال صرمك بعد ما
رضيت و ما غيّرت من خلق بعد
أ أن نلت خيرا سرّني أن تناله
تنكّرت حتى قلت ذو لبدة ورد [٢]؟
فعيناك عيناه و صوتك صوته
تمثّله لي غير أنك لا تعدو
لئن كنت قد أزمعت بالصّرم بيننا
لقد جعلت أشراط أوّله تبدو [٣]
فإني إذا ما صاحب رثّ وصله
و أعرض عني قلّ مني له الوجد
خبره مع الحارث بن خليد و شعره فيه
قال المدائنيّ: كان لأبي الأسود صديق يقال له الحارث بن خليد، و كان في شرف من العطاء، فقال لأبي الأسود: ما يمنعك من طلب الديوان؟ فإنّ فيه غنى و خيرا، فقال له أبو الأسود: قد أغناني اللّه عنه بالقناعة و التجمل، فقال: كلا، و لكنك تتركه إقامة على محبة ابن أبي طالب و بغض هؤلاء القوم. و زاد الكلام بينهما، حتى أغلظ له الحارث بن خليد، فهجره أبو الأسود، و ندم الحارث على ما فرط منه، فسأل عشيرته أن تصلح بينهما، فأتوا أبا الأسود في ذلك و قالوا له: قد اعتذر إليك الحارث مما فرط منه و هو رجل حديد [٤]، فقال أبو الأسود في ذلك:
[١] وقص: دقت عنقه و كسرت.
[٢] اللبدة: الشعر المتراكب بين كتفي الأسد. و الورد: الأسد.
[٣] أشراط: جمع شرط، كسبب؛ و هو العلامة.
[٤] حديد: حادّ اللسان.