الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٢ - سأل ابن جفنة القيسيين عن النعمان بن المنذر فعابوه فرد عليهم يزيد
و تزول عنهم في الصيف. فما هبّ من الرّياح عن يمين البيت فهي الجنوب، و ما هبّ عن شماله فهي الشّمال، و ما هبّ من أمامه فهي الصّبا، و ما هبّ من خلفه فهي الدّبور، و ما استدار من الرياح بين هذه الجهات فهي النّكباء.
فقال ابن جفنة: إنّ هذا للعلم يا ابن عبد المدان.
سأل ابن جفنة القيسيين عن النعمان بن المنذر فعابوه فردّ عليهم يزيد
و أقبل/ على القيسيّين يسألهم عن النّعمان بن المنذر. فعابوه و صغّروه. فنظر ابن جفنة الى يزيد فقال له: ما تقول يا ابن عبد المدان؟ فقال يزيد [١]: يا خير الفتيان. ليس صغيرا من منعك العراق، و شركك في الشام، و قيل له:
أبيت اللّعن. و قيل لك: يا خير الفتيان، و ألفى أباه ملكا كما ألفيت أباك ملكا؛ فلا يسرّك من يغرّك؛ فإن هؤلاء لو سألهم عنك النّعمان لقالوا فيك مثل ما قالوا فيه. و أيم اللّه ما فيهم رجل إلّا و نعمة النّعمان عنده عظيمة! فغضب عامر بن مالك و قال له: يا ابن الديّان! أما و اللّه لتحتلبنّ [٢] بها دما! فقال له: و لم؟ أزيد في هوازن [٣] من لا أعرفه؟
فقال: لا! بل هم الذين تعرف. فضحك يزيد ثم قال: ما لهم جرأة [٤] بني الحارث، و لا فتك مراد، و لا بأس زبيد، و لا كيد جعفيّ [٥]، و لا مغار طيّء. و ما هم و نحن يا خير الفتيان بسواء، ما قتلنا أسيرا قطّ و لا اشتهينا [٦] حرّة قط، و لا بكينا قتيلا [حتى] [٧] نبئ [٨] به. و إن هؤلاء ليعجزون عن ثأرهم، حتى يقتل السّميّ بالسميّ. و الكنيّ بالكنيّ، و الجار بالجار. و قال يزيد بن عبد المدان فيما كان بينه و بين القيسيّين شعرا غدا به على ابن جفنة:
تمالا على النّعمان قوم إليهم
موارده في ملكه و مصادره
على غير ذنب كان منه إليهم
سوى أنّه جادت عليهم مواطره
فباعدهم من كلّ شرّ يخافه
و قرّبهم من كلّ خير يبادره
فظنّوا- و أعراض الظنون [٩] كثيرة-
بأنّ الّذي قالوا من الأمر ضائره
فلم ينقصوه بالّذي قيل شعرة
و لا فلّلت أنيابه و أظافره
/ و للحارث الجفنيّ أعلم بالّذي
ينوء [١٠] به النّعمان إن خفّ طائره
فيا حار كم فيهم لنعمان نعمة
من الفضل و المنّ الذي أنا ذاكره
ذنوبا عفا عنها و مالا أفاده
و عظما كسيرا قوّمته جوابره
[١] في ط، م: «فقال له يزيد».
[٢] كذا في ط، ج، م. و في ب، س: «لنحتلبن». بالنون و الحاء. و في أ: «لنجتلبن» بالتاء و الجيم.
[٣] كذا في ط، م. و في سائر الأصول: «و لو أريد في هوازن» و هو تحريف.
[٤] في ط، ج، م: «جمرة». و الجمرة: الكثرة و العدد.
[٥] في بعض الأصول: «جعف»، و هو تحريف.
[٦] في ط، م: «و لا استهنا حرة». و لعلها: «امتهنا حرة».
[٧] التكملة من ط. م.
[٨] أباء القاتل بالقتيل: قتله به.
[٩] كذا في ط، م. و في سائر الأصول: المنون» و هو تحريف.
[١٠] كذا في ط، م. و في سائر الأصول: «يبوء به النعمان إن جف» تصحيف. يقال خف طائر فلان إذا استخف و استفز. و الوارد في كتب اللغة: طار طائر فلان. و يقال في ضد ذلك: وقع طائر فلان، و سكن طائره، و فلان ساكن الطير، إذا كان وقورا. و يقول إن الحارث الجفني أعلم الناس بما ينهض به النعمان و يقوم به من الأعمال إن استفزه مستفز و أغضبه.