الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٧٣
إصلاح اللفظ
عقد له ابن جنّي بابا في (الخصائص) [١] قال: اعلم أنه لما كانت الألفاظ للمعاني أزمّة و عليها أدلّة و إليها موصلة و على المراد بها محصّلة، عنيت بها و أوليتها صدرا صابحا من تثقيفها و إصلاحها. فمن ذلك قولهم: (أما زيد فمنطلق) ألا ترى أن تحرير هذا القول إذا صرّحت بلفظ الشرط فيه صرت إلى أنك كأنك قلت: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فتجد الفاء في جواب الشرط في صدر الجزأين مقدمة عليها و أنت في قولك: أما زيد فمنطلق، إنما تجد الفاء واسطة بين الجزأين، و لا تقول: أمّا زيد منطلق، كما تقول فيما هو بمعناه: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، و إنما فعل ذلك لإصلاح اللفظ، وووجه إصلاحه أن هذه الفاء و إن كان جوابا و لم تكن عاطفة، فإنما هي على لفظ العاطفة و بصورتها فلو قالوا: أمّا فزيد منطلق، كما يقولون مهما يكن من شيء فزيد منطلق لوقعت الفاء الجارية مجرى فاء العطف بعدها اسم و ليس قبلها اسم و إنما قبلها في اللفظ حرف و هو (أما)، فتنكبوا ذلك لما ذكرنا و وسطوها بين الجزأين ليكون قبلها اسم و بعدها آخر فتأتي على صورة العاطفة فقالوا: أما زيد فمنطلق، كما تأتي عاطفة بين الاسمين في نحو: قام زيد فعمرو، و مثله امتناعهم أن يقولوا: انتظرتك و طلوع الشمس أي: مع طلوع الشمس فينصبوه على أنه مفعول معه، كما ينصبون نحو (قمت وزيدا) أي: مع زيد.
قال أبو الحسن: و إنما ذلك لأن الواو التي بمعنى (مع) لا تستعمل إلا في الوضع الذي لو استعملت فيه عاطفة لجاز، و لو قلت: انتظرتك و طلوع الشمس، أي:
و انتظرتك طلوع الشّمس لم يجز، أ فلا ترى إلى إجرائهم الواو غير العاطفة في هذا مجرى العاطفة، فكذلك أيضا تجري الفاء غير العاطفة في نحو: أما زيد فمنطلق مجرى العاطفة، فلا يؤتى بعدها بما لا شبيه له في جواز العطف عليه قبلها، ذلك قولهم في جمع تمرة و بسرة و نحو ذلك تمرات و بسرات، و كرهوا إقرار التاء تناكرا لاجتماع علامتي تأنيث في لفظ اسم واحد، فحذفت و هي في النية مرادة البتة، لا لشيء إلا لإصلاح اللفظ لأنها في المعنى مقدرة منويّة، ألا ترى أنك إذا قلت تمرات لم يعترض شك في أن الواحدة منها تمرة و هذا واضح، فالعناية إذا في الحذف إنما هي بإصلاح اللفظ إذ المعنى ناطق بالتاء مقتض لها حاكم بموضعها.
و من ذلك قولهم: إنّ زيدا لقائم، فهذه لام الابتداء، و موضعها أول الجملة
[١] انظر الخصائص (١/ ٣١٢).