الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٦٨
و أما الوجه الثاني: فهو في غاية السقوط، و بيانه من ثلاثة أوجه، أحدها: أن العامل و المعمول من قبيل الألفاظ، و الاشتقاق من قبيل المعاني، و لا يدلّ أحدهما على الآخر اشتقاقا. و الثاني: أن المصادر قد تعمل عمل الفعل، كقولك: يعجبني ضرب زيد عمرا، و لا يدلّ ذلك على أنه أصل. الثالث: أن الحروف تعمل في الأسماء و الأفعال، و لا يدلّ ذلك على أنها مشتقة أصلا، فضلا عن أن تكون مشتقّة من الأسماء و الأفعال، انتهى.
الثالثة: قال السهيليّ [١]: فائدة اشتقاق الفعل من المصدر أن المصدر اسم كسائر الأسماء يخبر عنه كما يخبر عنها كقولك: أعجبني خروج زيد، فإذا ذكر المصدر و أخبر عنه كان الاسم الذي هو فاعل مجرورا بالإضافة و المضاف إليه تابع للمضاف، فإذا أرادوا أن يخبروا عن الاسم الفاعل للمصدر لم يكن الإخبار عنه و هو مخفوض تابع في اللفظ لغيره، و حقّ المخبر عنه أن يكون مرفوعا مبدوءا به فلم يبق إلا أن يدخلوا عليه حرفا يدلّ على أنه مخبر عنه، كما تدلّ الحروف على معان في الأسماء، و هذا لو فعلوه لكان الحرف حاجزا بينه و بين الحدث في اللفظ، و الحدث يستحيل انفصاله عن فاعله كما يستحيل انفصال الحركة عن محلّها، فوجب أن يكون اللفظ غير منفصل لأنه تابع للمعنى، فلم يبق إلا أن يشتقّ من لفظ الحدث لفظ يكون كالحرف في النيابة عنه دالا على معنى في غيره، و يكون متصلا اتّصال المضاف بالمضاف إليه، و هو الفعل المشتقّ من لفظ الحدث، فإنه يدلّ على الحدث بالتضمن و يدلّ على الاسم مخبرا عنه لا مضافا إليه، إذ يستحيل إضافة لفظ الفعل إلى الاسم، كاستحالة إضافة الحرف، لأن المضاف هو الشيء بعينه، و الفعل ليس هو الشيء بعينه و لا يدلّ على معنى في نفسه، و إنما يدلّ على معنى في الفاعل و هو كونه مخبرا عنه.
فإن قلت: كيف لا يدلّ على معنى في نفسه و هو يدلّ على الحدث؟
قلنا: إنما يدلّ على الحدث بالتضمّن و الدالّ عليه بالمطابقة هو الضرب و القتل، لا ضرب و قتل، و من ثم وجب أن لا يضاف و لا يعرف بشيء من آلات التعريف، إذ التعريف يتعلّق بالشيء بعينه لا بلفظ يدلّ على معنى في غيره، و من ثم وجب أن لا يثنّى و لا يجمع كالحرف، و أن يبنى كالحرف، و أن يكون عاملا في الاسم كالحرف. و إنما أعرب المضارع لأنه تضمن معنى الاسم، كما أن الاسم إذا
[١] انظر بدائع الفوائد (١/ ٢٧).