الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٨
الموضوع له لضرب من الإيجاز و الاستحسان. و قال ابن السراج (في الأصول): من الأفعال ضرب مستعارة للاختصار و فيها بيان أن فاعليها في الحقيقة مفعولون نحو:
مات زيد، و مرض بكر، و سقط الحائط. و قال ابن يعيش [١]: المضمرات وضعت نائبة عن غيرها من الأسماء الظاهرة لضرب من الإيجاز و الاختصار كما تجيء حروف المعاني نائبة عن غيرها من الأفعال فلذلك قلّت حروفها كما قلّت حروف المعاني.
و قال أبو الحسين بن أبي الربيع في (شرح الإيضاح) قولهم: للّه درك من رجل، (من) فيه للتبعيض عند بعضهم و التقدير: لقد عظمت من الرجال، فوضع المفرد موضع الجمع و النكرة موضع المعرفة للعلم و طلبا للاختصار، قال و نظير هذا قولك:
كلّ رجل يفعل هذا، الأصل كل الرجال يفعل هذا، فاستخفّوا فوضعوا المفرد موضع الجمع و النكرة موضع المعرفة لفهم المعنى و طلبا للاختصار.
و قال أبو البقاء في (اللّباب) و تلميذه الأندلسي في (شرح المفصل): إنما دخلت (إنّ) على الكلام للتوكيد عوضا من تكرير الجملة و في ذلك اختصار تامّ مع حصول الغرض من التوكيد، فإن دخلت اللام في خبرها كان آكد، و صارت إن و اللام عوضا من ذكر الجملة ثلاث مرات، و هكذا (أنّ) المفتوحة إذ لو لا إرادة التوكيد لقلت- مكان قولك: بلغني أن زيدا منطلق، بلغني انطلاق زيد، انتهى.
و من الاختصار تركيب (إمّا) العاطفة على قول سيبويه [٢] من (إن) الشرطية و (ما) النافية؛ لأنها تغني عن إظهار الجمل الشرطية حذرا من الإطالة، ذكره في (البسيط).
و تركيب (أمّا) المفتوحة من (أن) المصدرية و (ما) المزيدة عوضا من كان في نحو: أما أنت منطلقا انطلقت [٣]، و جعل (أما) الشرطية عوضا من حرف الشرط و فاعله في نحو: أمّا زيد فقائم.
و قال ابن إياز في (شرح الفصول): إنما ضمنوا بعض الأسماء معاني الحروف طلبا للاختصار، ألا ترى أنك لو لم تأت (بمن) و أردت الشرط على الأناسي لم تقدر أن تفي بالمعنى الذي تفي به (من)، لأنك إذا قلت: من يقم أقم معه، استغرقت ذوي العلم، و لو جئت (بإن) لاحتجت أن تذكر الأسماء: إن يقم زيد و عمرو و بكر، و تزيد على ذلك و لا تستغرق الجنس، و كذلك في الاستفهام، انتهى.
[١] انظر شرح المفصل (٣/ ٩٢).
[٢] انظر الكتاب (٣/ ٣٦٤).
[٣] انظر الكتاب (٤/ ٣٥٦).