الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢١٣
و الآخر: أن تكون فتحة النون من أينما فتحة التركيب، و تضم أين إلى ما، فيبنى الأول على الفتح كما في حضرموت، و بيت بيت، و حينئذ يقدر في الألف فتحة ما لا ينصرف في موضع الجر و يدل على أنه قد يضم (ما) هذه إلى ما قبلها ما أنشدناه أبو علي عن أبي عثمان: [الرجز]
[١٦٠]- أثور ما أصيدكم أم ثورين
أم تيكم الجمّاء ذات القرنين
فقوله: أثور ما، فتحة الراء منه فتحة تركيب ثور مع ما بعده كفتحة راء حضرموت، و لو كانت فتحة إعراب لوجب التنوين لا محالة لأنه مصروف، و بنيت ما مع الاسم مبقاة على حرفيتها كما بنيت لا مع النكرة في نحو لا رجل، و الكلام في و يحما هو الكلام في أثور ما.
و أخبرنا أبو علي أن أبا عثمان ذهب في قوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [الذاريات: ٢٣] إلى أنه جعل (مثل) و (ما) اسما واحدا فبنى الأول على الفتح، و هما جميعا عنده في موضع رفع صفة لحق.
و مما خلعت عنه دلالة الاستفهام قول الشاعر- أنشدناه أبو علي-: [البسيط]
[١٦١]- أنّى جزوا عامرا سوأى بفعلهم
أم كيف يجزونني السّوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به
ريمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن
ف (أم) في أصل الوضع للاستفهام، كما أن كيف كذلك، و محال اجتماع حرفين [١] لمعنى واحد، فلا بد أن يكون أحدهما قد خلعت عنه دلالة الاستفهام.
و ينبغي أن يكون ذلك الحرف (أم) دون (كيف) حتى كأنه قال:
بل كيف ينفع، فجعلها بمنزلة (بل) للترك و التحول، و لا يجوز أن تكون (كيف) هي المخلوعة عنها دلالة الاستفهام لأنها لو خلعت عنها لوجب إعرابها لأنها إنما بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام، فإذا زال ذلك عنها وجب إعرابها كما أعرب (من) في قولهم: (ضرب من منا) لمّا خلعت عنها دلالة الاستفهام.
و من ذلك كاف الخطاب للمذكر و المؤنث نحو: رأيتك، هي تفيد شيئين:
[١٦٠] - الشاهد بلا نسبة في الأشباه و النظائر (٢/ ١٤٠)، و الخصائص (٢/ ١٨٠)، و رصف المباني (ص ٣٣٦)، و لسان العرب (ثور)، و (قرن)، و تهذيب اللغة (٩/ ٩٠).
[١٦١] - الشاهد لأفنون التغلبي في شرح اختيارات المفصل (ص ١١٦٤)، و تاج العروس (سوأ)، و البيان و التبيين (١/ ٩)، و الخزانة (١١/ ١٤٩)، و بلا نسبة في لسان العرب (سوأ).
[١] انظر الخصائص (٢/ ١٨٤).