الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥٠
تكثير الحروف يدلّ على تكثير المعنى
عقد له ابن جنّي بابا في (الخصائص) [١] و ترجم عليه، باب في قوة اللفظ لقوة المعنى.
قال: هذا فصل من العربية حسن. منه قولهم: خشن، و اخشوشن، فمعنى خشن دون معنى اخشوشن لما فيه من تكرير العين و زيادة الواو، و كذا قولهم:
أعشب المكان، فإذا أرادوا كثرة العشب فيه قالوا: اعشوشب، و مثله: حلا و احلولى، و خلق و اخلولق، و غدن و اغدودن، و منه باب فعل و افتعل نحو: قدر و اقتدر، فاقتدر أقوى معنى من قدر، كذا قال أبو العباس، و هو محض القياس و قال تعالى: أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٤٢] فمقتدر هنا أوثق من قادر، حيث كان الوضع لتفخيم الأمر و شدة الأخذ، و عليه قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] لأن كسب الحسنة بالإضافة إلى كسب السيئة أمر يسير، و مثله قول الشاعر: [الكامل]
[٩٣]- إنا اقتسمنا خطّتينا بيننا
فحملت برّة و احتملت فجار
عبّر عن البرّ بالحمل و عن الفجرة بالاحتمال، و من ذلك قولهم: رجل جميل و وضيء، فإذا أرادوا المبالغة قالوا: جمّال و وضّاء، و كذلك حسن و حسان، و منه باب تضعيف العين نحو قطع، و قطّع، و كسر و كسّر، و قام الفرس و قوّمت الخيل، و مات البعير و موّتت الإبل، و منه باب (فعال) في النسب كالبزّاز و العطّار و القصّاب، إنما هو لكثرة تعاطي هذه الأشياء، و كذلك النسّاف لهذا الطائر، كأنه قيل له ذلك لكثرة نسفه بجناحه، و الخضاريّ للطائر أيضا، كأنه قيل له ذلك لقوة خضرته، و الحوّاري لقوة حوره و هو بياضه، و الخطّاف لكثرة اختطافه، و السكّين لكثرة تسكين الذبائح.
قال: و نحو ذلك من تكثير اللفظ لتكثير المعنى العدول عن معتاد حاله، و ذلك
[١] انظر الخصائص (٣/ ٢٦٤).
[٩٣] - الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه (ص ٥٥)، و إصلاح المنطق (ص ٣٣٦)، و خزانة الأدب (٦/ ٣٢٧)، و الدرر (١/ ٩٧)، و شرح التصريح (١/ ١٢٥)، و شرح المفصّل (٤/ ٥٣)، و لسان العرب (برر)، و (فجر)، و (حمل)، و المقاصد النحوية (١/ ٤٠٥)، و بلا نسبة في جمهرة اللغة (ص ٤٦٣)، و خزانة الأدب (٦/ ٢٨٧)، و الخصائص (٢/ ١٩٨)، و شرح عمدة الحافظ (ص ١٤١)، و شرح المفصّل (١/ ٣٨)، و لسان العرب (أنن)، و مجالس ثعلب (٢/ ٤٦٤)، و همع الهوامع (١/ ٢٩).