الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٧٢
الأصل مطابقة المعنى للفظ
و من ثم قال الكوفيون: إن معنى (أفعل به) [١] في التعجب أمر كلفظه، و أما البصريون فقالوا: إن معناه التعجّب لا الأمر، و أجابوا عن القاعدة بأن هذا الأصل قد ترك في مواضع عديدة فليكن متروكا هنا. قال ابن النحاس في (التعليقة):
و للكوفيين أن يقولوا: لم يترك هذا الأصل في موضع إلا لحامل، فما الذي حملهم على تركه هنا، و يجاب بأن الحامل موجود و هو أن اللفظ إذا احتيج في فهم معناه إلى إعمال فكر كان أبلغ و آكد مما إذا لم يكن كذلك، لأن النفس حينئذ تحتاج في فهم المعنى إلى فكر و تعب فتكون به أكثر كلفا و ضنّة مما إذا لم تتعب في تحصيله، و باب التعجّب موضع المبالغة، فكان في مخالفة المعنى للفظ من المبالغة ما لا يحصل باتفاقها فخالفنا لذلك، و قد ورد الخبر بلفظ الأمر في قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [مريم: ٧٥] و جاء عكس ذلك، انتهى.
و من المواضع الخارجة عن ذلك ورود لفظ الاستفهام بمعنى التسوية في: سواء عليّ أقمت أم قعدت، و لفظ النداء بمعنى الاختصاص في «اللّهم اغفر لنا أيّتها العصابة» [٢].
الأصل أن يكون الأمر كلّه باللّام من حيث كان معنى من المعاني
و المعاني إنما الموضوع لها الحروف فجاء الأمر ما عدا المخاطب لازم اللام على الأصل، و استغنى في فعل المخاطب عنها فحذفت هي و حروف المضارعة لدلالة الخطاب على المعنى المراد، و قد يؤتى بها على الأصل كقوله تعالى:
فلتفرحوا [يونس: ٥٨] فيمن قرأها بالتاء الفوقية، و في الحديث: «لتأخذوا مصافّكم» [٣]. و إتيانه بغير لام هو الكثير ذكر ذلك ابن النحاس في (التعليقة).
الأصل في الأفعال التصرّف
و من التصرّف تقديم المنصوب بها على المرفوع و اتصال الضمائر المختلفة بها ذكره أبو البقاء في (التبيين) قال: و قد استثنى منها نعم و بئس و عسى و فعل التعجب فإن تقديم المنصوب فيها غير جائز.
[١] انظر الكتاب (٤/ ٢١٤).
[٢] انظر الكتاب (٣/ ١٩٤)، جاء في الحاشية (قال السيرافي: لأنك لست تناديه و إنما تختصّه، فتجريه على حرف النداء، لأن النداء فيه اختصاص فيشبه به للاختصاص لأنه منادى).
[٣] انظر أسرار العربية (ص ٣١٨)، و مغني اللبيب (١/ ٢٤٧)، و الإنصاف المسألة (٧٢) .