الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٦٤
انقطاع الجملة عما قبلها لهذا السبب فلم يحتج إلى إعمالها و إظهارها و بقي الحديث كما كان قبل دخولها مستغنيا عن تأثيرها فيه.
و أما حرف (لا) فإن كان عاطفا فحكمه حكم حروف العطف، و لا شيء منها عامل فإن لم تكن عاطفة نحو لا زيد قائم و لا عمرو، فلا حاجة إلى إعمالها في الجملة لأنه لا يتوهم انفصال الجملة بقوله: و لا عمرو، لأن الواو مع (لا) الثانية تشعر بالأولى لا محالة، و تربط الكلام بها فلم يحتج إلى إعمالها و بقيت الجملة عاملا فيها الابتداء كما كانت قبل دخول (لا) إلا أنهم في النكرات قد أدخلوها على المبتدأ و الخبر تشبيها بليس، لأن النكرة أبعد في باب الابتداء من المعرفة، و المعرفة أشد استبدادا بأول الكلام. و أما التي للتبرئة فللنحويين فيها اختلاف أهي عاملة أم لا؟، فإن كانت عاملة فكما أعملوا (إن) حرصا على إظهار تشبثها بالحديث، و إن لم تكن عاملة فلا كلام.،
و أما حرف النداء فعامل في المنادى عند بعضهم و الذي يظهر خلافه و لو كان عاملا لما جاز حذفه و إبقاء عمله.
فإن قلت: فلم عملت النواصب و الجوازم في المضارع و الفعل بعدها جملة، ثم إن المضارع قبل دخولها كان مرفوعا بعامل معنوي، فهلا منع هذا العامل هذه الحروف من العمل كما منع الابتداء الحروف الداخلة على الجملة من العمل إلا أن يخشى انقطاع الجملة كما خيف في إن و أخواتها؟.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الابتداء أقوى من عامل المضارع و إن كان كل منهما معنويا، لأن عامل المضارع هو وقوعه موقع الاسم المخبر عنه فهو تابع له فلم يقو قوته، فلم يمنع شيئا من الحروف اللفظية عن العمل.
و الثاني: أن هذه الحروف لم تدخل لمعنى في الجملة، إنما دخلت لمعنى في الفعل خاصة، فوجب عملها فيه، كما وجب عمل حروف الجر في الأسماء من حيث دلت على معنى فيها لا في الجملة.
و أما (إلا) في الاستثناء فقد زعم بعضهم أنها عاملة، و الصحيح أنها موصلة الفعل إلى العمل في الاسم بعدها كتوصيل واو المفعول معه الفعل إلى العمل فيما بعدها، فاستغنوا بإيصالها العامل عن إعمالها عملا آخر، و كأنها هي العاملة و مثلها في ذلك حروف العطف.