الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٤٣
كقوله: [الرجز]
[٢٣]- أبيت أسري و تبيتي تدلكي
[شعرك بالعنبر و المسك الذكي]
و لم يعهد ذلك في نون الوقاية، و حذف ما عهد حذفه أولى، و لأنها نائبة عن الضمة، و قد عهد حذفها تخفيفا في نحو: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ [البقرة: ٦٧]، وَ ما يُشْعِرُكُمْ [الأنعام: ٦]، في قراءة من سكّن، و لأنها جزء كلمة و نون الوقاية كلمة، و حذف الجزء أسهل.
و ذهب المبرد و السيرافي و الفارسي و ابن جني و أكثر المتأخرين منهم: صاحب (البسيط)، و ابن هشام إلى الثاني، لأنها لا تدلّ على إعراب فكانت أولى بالحذف، لأنها دخلت لغير عامل، و نون الرفع دخلت لعامل، فلو كانت المحذوفة لزم وجود مؤثر بلا أثر مع إمكانه، و لأن الثقل نشأ من الثانية فهي أحق بالحذف.
الثاني: إذا اجتمع نون الوقاية و نون إنّ و أنّ و كأنّ و لكنّ، جاز حذف أحدهما [١]، و في المحذوفة قولان: أحدهما نون الوقاية و عليه الجمهور، و قيل نون (أنّ) لأن نون الوقاية دخلت للفرق بين أنني و أني، و ما دخل للفرق لا يحذف، ثم اختلف، هل المحذوفة الأولى المدغمة لأنها ساكنة و الساكن يسرع إلى الحذف؟ أو الثانية المدغم فيها لأنها طرف؟ على قولين، صحح أبو البقاء في (اللّباب) أولهما.
الثالث: إذا اجتمع نون الضمير و نون الحروف الأربعة المذكورة جاز حذف أحدهما نحو، أنّا و لكنّا، و هل المحذوفة الأولى المدغمة أو الثانية المدغم فيها؟
القولان السابقان، و لم يجز هنا القول بأن المحذوف نون الضمير لأنها اسم فلا تحذف. ثم رأيت ابن الصائغ قال في (تذكرته): في كلا أبي علي في الأغفال ما يدلّ على أن المحذوف نون ضمير النصب في قولنا: كأنا، و تاء تفعل في قولنا: هل تكلّم، قال ذلك على لسان أبي العباس نقلا عن أبي بكر تقوية لمن يذهب في أن المحذوف من (لاه) اللّام الأصلية لا لام الإضافة كما ذهب إليه سيبويه [٢]، و قال:
لأنّ ما يحذف من المكرّرات إنما يحذف للاستثقال و إنما يقع الاستثقال فيما يتكرّر لا في المبدوء به الأول. ثم قال عقب ذلك: و الذي رجّحه أبو علي أن المحذوف من
[٢٣] - الشاهد بلا نسبة في الخصائص (١/ ٣٨٨)، و المحتسب (٢/ ٢٢)، و الخزانة (٣/ ٥٢٥)، و التصريح (١/ ١١١)، و الهمع (١/ ٥١)، و الدرر (١/ ٢٧).
[١] انظر الكتاب (٢/ ٣٩١).
[٢] انظر الكتاب (٤/ ٣).