الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٦٩
تضمّن معنى الحرف بني، و لما قدمناه من دلالة الفعل على معنى في الاسم و هو كون الاسم مخبرا عنه وجب أن يخلو عن ذلك الاسم مضمرا أو مظهرا بخلاف الحدث، فإنك تذكره و لا تذكر الفاعل مضمرا و لا مظهرا، و الفعل لا بدّ من ذكر الفاعل بعده كما لا بدّ بعد الحرف من الاسم، فإذا ثبت المعنى في اشتقاق الفعل من المصدر و هو كونه دالا على معنى في الاسم فلا يحتاج في الأفعال الثلاثة إلا إلى صيغة واحدة، و تلك الصيغة هي لفظ الماضي، لأنه أخفّ و أشبه بلفظ الحدث، إلا أن تقوم الدلالة على اختلاف أحوال الحدث فتختلف صيغة الفعل، ألا ترى كيف لم تختلف صيغته بعد (ما) الظرفية نحو: لا أفعله ما لاح برق و ما طار طائر، لأنهم يريدون الحدث مخبرا عنه على الإطلاق من غير تعرّض لزمن، و لا حال من أحوال الحدث، فاقتصروا على صيغة واحدة و هي أخفّ أبنية الفعل، و كذلك فعلوا بعد التسوية نحو:
سواء عليّ أقمت أم قعدت، لأنه أريد التسوية بين القيام و القعود من غير تقييد بوقت و لا حال، فلذلك لم يحتج إلا إلى صيغة واحدة و هي صيغة الماضي، فالحدث إذا على ثلاثة أضرب:
- ضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله و إلى اختلاف أحوال الحدث، فيشتقّ منه الفعل دلالة على كون الفاعل مخبرا عنه، و تختلف أبنيته دلالة على اختلاف أحوال الحدث.
- و ضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله على الإطلاق من غير تقييد بوقت و لا حال، فيشتقّ منه الفعل، و لا تختلف أبنيته.
- و ضرب لا يحتاج إلى الإخبار عن فاعله، لكن يحتاج إلى ذكره خاصة على الإطلاق مضافا إلى ما بعده نحو: (سبحان اللّه) فإنه ينبئ عن العظمة و التنزيه، فوقع القصد إلى ذكره مجرّدا من التقييدات بالزمان أو بالأحوال، و لذلك وجب نصبه، كما يجب نصب كلّ مقصود إليه بالذّكر، نحو: إياك و ويله و ويحه، و هما مصدران لم يشتقّ منهما فعل، حيث لم يحتج إلى الإخبار عن فاعلهما و لا إلى تخصيصهما بزمن و نصبهما كنصبه لأنه مقصود إليه.
و مما انتصب لأنه مقصود إليه بالذكر: (زيدا ضربته) في قول شيخنا أبي الحسين [١] و غيره من النحويين، و كذلك: زيدا ضربت- بلا ضمير- لا يجعله معمولا مقدّما، لأن المعمول لا يتقدّم على عامله، و هو مذهب قويّ، و لكن لا يبعد
[١] هو ابن الطّراوة صاحب كتاب (الترشيح).