الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٧١
إذا علمت ذلك فتتفرع عليه فروع:
الفرع الأول: اختصاص الرفع بما اختصّ به و النصب و الكسر بما اختص به، و ذلك أن المرفوعات قليلة بالنسبة إلى المنصوبات إذ هي الفاعل و المبتدأ و الخبر، و ما ألحق بها من نائب الفاعل، و اسم كان، و خبر إن، بخلاف المنصوبات فإنها أكثر من عشرة، فجعل الأثقل للأقل لقلة دورانه، و الأخف للأكثر ليسهل و يعتدل الكلام بتخفيف ما يكثر و تثقيل ما يقل.
و أيضا فالمرفوع لا يتعدد منه سوى الخبر على خلاف، و الفرع الواحد من المنصوبات يتعدد، كالمفعول به و الظرف و الحال و المستثنى، قال الزجاجي: الفعل ليس له إلا مرفوع واحد و ينصب عشرة أشياء، و لما كانت المجرورات أكثر من المرفوعات و أقل من المنصوبات أعطيت الحركة الوسطى في الثقل و الخفة.
الفرع الثاني: اختصاص الضم بما بني عليه و الفتح و الكسر بما بني عليه لما ذكر أيضا، فإن المبني على الفتح أكثر من المبني على الكسر، و منه ما كان بجوار ياء، نحو: أين و كيف، فزاد بعدا عن الكسرة طلبا للخفة، إذ هو مع الياء أثقل منه وحده، و المبني على الضم أقل من المبني على الكسر، إذ لم يبن عليه إلا حيث و الظروف الستة و غير و أي في بعض أحوالها و المنادى و بعض الضمائر.
الثالث: اختصاص نون التثنية بالكسر و نون الجمع بالفتح لثقل الجمع، فأعطى الأخفّ، و أعطيت التثنية لخفتها الكسر ليتعادلا.
الرابع: قلة وجود الضم في جنس الفعل فلم يوجد فيه إلا إعرابا في بعض الأحوال و ذلك لأنه أثقل من الأسماء، فنحي في الغالب عن الضم لئلا يكثر الثقل.
الخامس: امتناع الجرّ و الكسر في الأفعال جملة فرارا من الثقل أيضا. و في (البسيط): لا خلاف أن الفتح أخفّ عندهم من الكسر، و الألف أخفّ من الياء، و فيه الفتحة أقرب إلى الكسرة من الضمة، و لذا حمل الجرّ على النصب في ما لا ينصرف، و النصب على الجر في جمع المؤنث السالم حملا على القرب.
و قال السّخاوي في (شرح المفصل): قال الخليل: أول الحركات الضمة لأنها من الشفة، و أول ما يقع في الكلام الفاعل، فكان حق الكلام إذا حمل على المشاكلة أن يقسم أول الحركات لأول الأشياء.
و قال ابن الدهان في (الغرّة): الضمة و الكسرة مستثقلتان مباينتان للسكون، و الفتحة قريبة من السكون بدلالة أن العرب تفرّ إلى الفتحة كما تفرّ إلى السكون من