الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٩
و قال ابن هشام في (تذكرته): زعم قوم من المتأخرين منهم خطاب المارديني أنه يجوز تضمين الفعل المتعدّي لواحد معنى صيّر، و يكون من باب ظنّ، فأجاز حفرت وسط الدار بئرا، أي: صيّرت، قال: و ليس (بئرا) تمييزا إذ لا يصلح (من)، و كذا أجاز: بنيت الدار مسجدا، و قطعت الثوب قميصا، و قطعت الجلد نعلا، و صبغت الثوب أبيض. و جعل من ذلك قول أبي الطيب: [الكامل]
[٤٩]- فمضت و قد صبغ الحياء بياضها
لوني كما صبغ اللّجين العسجد
لأن المعنى: صيّر الحياء بياضها لوني، أي: مثل لوني، قال: و الحقّ أن التضمين لا ينقاس. و قال ابن هشام في (المغني) [١]: قد يشربون لفظا معنى لفظ فيعطونه حكمه و يسمّى ذلك تضمينا، و فائدته: أن تؤدّي كلمة مؤدّى كلمتين، ثم ذكر لذلك عدة أمثلة منها قوله: وَ ما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ [آل عمران:
١١٥] ضمّن معنى تحرموه، فعدّى إلى اثنين لا إلى واحد وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ [البقرة: ٢٣٥] ضمّن معنى تنووه فعدّي بنفسه لا (بعلى). لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى [الصافات: ٨] ضمّن معنى يصغون فعدّى (بإلى)، و أصله أن يتعدّى بنفسه، «سمع اللّه لمن حمده» [٢] ضمّن معنى استجاب فعدّى باللام. وَ اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: ٢٢٠] ضمّن معنى يميز فجيء ب (من)، و ذكر ابن هشام في موضع آخر من (المغني) أن التضمين لا ينقاس، و كذا ذكر أبو حيان.
قاعدة: الفرق بين التضمين و التقدير
قال ابن الحاجب في أماليه: الفرق بين التضمين و بين التقدير في قولنا: بني (أين) لتضمّنه معنى حرف الاستفهام، و ضربته تأديبا: منصوب بتقدير (اللام)، و غلام زيد: مجرور بتقدير (اللام)، و خرجت يوم الجمعة: منصوب بتقدير (في)، أن التضمّن يراد به أنه في المعنى المتضمّن على وجه لا يصحّ إظهاره معه، و التقدير أن يكون على وجه يصحّ إظهاره معه سواء اتّفق الإعراب أم اختلف، فإنه قد يختلف في مثل قولك: ضربته يوم الجمعة، و ضربته في يوم الجمعة، و قد لا يختلف في مثل قولك: و اللّه لأفعلنّ و اللّه أفعلن، و الفرق بينهما أنه إذا لم يختلف الإعراب كان مرادا
[٤٩] - انظر ديوانه (٢/ ٥٢) بشرح البرقوقي.
[١] انظر مغني اللبيب (٢/ ٧٦٢).
[٢] هذه عبارة من حديث شريف ورد في صحيح البخاري، باب صلاة القاعد (١/ ١٢٨).