الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٢٧
أفعل متعديا، لأن هذه الهمزة أكثر ما تجيء للتعدية، و ذلك نحو قام زيد، و أقمت زيدا، و قعد بكر و أقعدت بكرا، فإن كان فعل متعديا إلى مفعول واحد فنقلته بالهمزة صار متعديا إلى اثنين، نحو طعم زيد خبزا، و أطعمته خبزا، و عطا بكر درهما، و أعطيته درهما.
فأما كسي زيد ثوبا، و كسوته ثوبا، فإنه و إن لم ينقل بالهمزة فإنه نقل بالمثال، ألا تراه نقل من فعل إلى فعل، و إنما جاز نقله بفعل لما كان فعل و أفعل كثيرا ما يعتقبان على المعنى الواحد، نحو: جد في الأمر، و أجد، و صددته عن كذا، و أصددته، و قصر عن الشيء و أقصر، و سحته اللّه و أسحته، و نحو ذلك، فلما، كانت فعل و أفعل على ما ذكرنا في الاعتقاب و التعاوض، و نقل بأفعل، نقل أيضا فعل بفعل نحو كسي زيد و كسوته، و شترت عينه و شترتها، و غارت عينه و غرتها و نحو ذلك.
هذا هو الحديث أن تنقل بالهمزة فيحدث النقل تعديا لم يكن قبله. غير أن ضربا من اللغة جاءت فيه هذه القضية معكوسة، فتجد فعل فيها متعديا و أفعل غير متعدّ، و ذلك قولهم: أجفل الظليم، و جفلته، و أشنق البعير و شنقته، و أنزفت البئر إذا ذهب ماؤها، و نزفتها، و أقشع الغيم و قشعته الريح، و أنسل ريش الطائر، و نسلته، و أمرت الناقة إذا در لبنها، و مريتها.
و نحو من ذلك ألوت الناقة بذنبها، و لوت ذنبها، و صرّ الفرس أذنه و أصرّ بأذنه، و كبّه اللّه على وجهه، و أكبّ هو، و علوت الوسادة و أعليت عليها، فهذا نقض عادة الاستعمال لأن فعلت فيه متعدّ و أفعلت غير متعد.
و علّة ذلك عندي أنه جعل تعدّى فعلت و جمود أفعلت كالعوض لفعلت من غلبة أفعلت لها على التعدي، نحو: جلس و أجلسته، و نهض و أنهضته كما جعل قلب الياء واوا في التقوى و الرعوى و الثنوى و الفتوى عوضا للواو من كثرة دخول الياء عليها، و كما جعل لزوم الضرب الأول من المنسرح لمفتعلن و حظر مجيئه تاما أو مخبونا، بل توبعت فيه الحركات الثلاث البتة تعويضا للضرب من كثرة السواكن فيه نحو: مفعولن و مفعولان. و مستفعلان و نحو ذلك مما التقى في آخره من الضروب ساكنان.
و نحو من ذلك ما جاء عنهم من أفعلته فهو مفعول، و ذلك نحو أحببته فهو محبوب، و أجنّه اللّه فهو مجنون و أزكمه اللّه فهو مزكوم و أكزّه اللّه فهو مكزوز، و أقرّه اللّه فهو مقرور، و آرضه اللّه فهو مأروض، و أملاه اللّه فهو مملوء، و أضأده فهو مضؤود