الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٨٧
و لم يذهب، و حذفا في هذه الأفعال إذا كانت معتلّة اللامات نحو: لم يقض و لم يغز و لم يخش، و لكلّ شيء من هذا علّة.
فإن قال قائل: فهل يكون الإعراب حرفا عند سيبويه في شيء من الكلام؟
قلنا: هذا الذي ذكرنا الأصل و عليه أكثر مدار كلام العرب، و قد ذكرنا أن الشيء يكون له أصل يلزمه و نحو يطرد فيه، ثم يعرض لبعضه علّة تخرجه عن جمهور بابا، فلا يكون ذلك ناقضا للباب، و ذلك موجود في سائر العلوم حتى في علوم الديانات كما يقال بالإطلاق: (الصلاة واجبة على البالغين)، (من سرق من حرز قطع)، فقد تجد القطع ساقطا عن بعضهم. و لهذا نظائر كثيرة، فكذلك حكم الإعراب. و حقيقة ما ذكرنا من أنه عرض في بعض الكلام ضرورة دعت إلى جعل الإعراب حرفا و ذلك في تثنية الأفعال المضارعة و جمعها و فعل المؤنث المخاطب في المستقبل و ذلك في خمسة أمثلة من الفعل و هي يفعلان و يفعلون و تفعلون و تفعلين يا هذه، و علامة الرفع في هذه الأفعال الخمسة إثبات النون، و حذفها علامة الجزم و النصب.
فإن قال قائل: ما الذي أوجب تصيير الإعراب في هذه الأفعال جرفا و هي النون؟
قيل له ما قال سيبويه: و هو أنه قال: الإعراب يدخل على آخر حرف حذف في الكلمة و ذلك الحرف يسمّى حرف الإعراب، و آخر حرف في هذه الأفعال النون، فلو جعلت النون حرف الإعراب لوجب ضمّها في حال الرفع و فتحها في حال النصب، و كان يلزم من ذلك أن تسكن في حال الجزم، و لو أسكنت وجب سقوط الألف التي قبلها و الواو و الياء لالتقاء الساكنين، و كان يذهب ضمير الاثنين و الجمع و المؤنث في حال تأخير الأفعال بعد الأسماء، و يسقط علم ذلك في تقديم الأفعال على الأسماء في لغة من يثني و يجمع الفعل مقدما فكان تغيير الفعل كأنه للواحد و يبطل المعنى، فلما صارت علم الرفع وجب حذفها في الجزم، لأن الجازم قد يحذف ما يثبت في الرفع، فإن كان في حال الرفع حرف ساكن حذفه الجازم نحو: لم يغز و لم يخش، فجعلت النون محذوفة في الجزم لسكونها كما حذفت الياء و الواو و الألف لسكونها، و جعل النصب مضموما إلى الجزم، فحذفت النون فيه أيضا فقيل: لم يفعلا و لن يفعلا و لم يفعلوا و لن يفعلوا، كما ضمّ النصب في تثنية الأسماء و جمعها إلى الجرّ، لأن الجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء.
فإن قال قائل: فإن النون في: يفعلان و تفعلان و سائر هذه الأفعال متحركة، و قد