الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٧٥
و من ذلك: أنهم لما أجمعوا الزيادة في آخر بنات الخمسة كما زادوا في آخر بنات الأربعة خصّوا بالزيادة فيه الألف استخفافا لها و رغبة فيها هناك دون أختيها الياء و الواو، و ذلك أن بنات الخمسة لطولها لا ينتهى إلى آخرها إلا و قد ملّت، فلما تحملوا الزيادة في آخرها طلبوا أخفّ الثلاثة و هي الألف فخصّوها بها و جعلوا الواو و الياء حشوا في نحو: عضرفوط و جعفليق، لأنهم لو جاؤوا بهما طرفا و سداسيين مع ثقلهما لظهرت الكلفة في تجشمهما، و كدت في احتمال النطق بهما كل ذلك لإصلاح اللفظ. و من ذلك باب الإدغام في المتقارب نحو: ودّ في وتد، و من الناس من يقول: ميقول في: من يقول، و منه جميع باب التقريب نحو: اصطبر و ازدان، و جميع باب المضارعة نحو مصدر و بابه.
و من ذلك تسكينهم لام الفعل إذا اتصل بها علم الضمير المرفوع نحو: ضربت و ضربن و ضربنا، و ذلك أنهم أجروا الفاعل هنا مجرى جزء من الفعل فكره اجتماع الحركات التي لا توجد في الواحد فأسكنوا ما قبل الضمير (اللام) إصلاحا للفظ.
و من ذلك: أنهم أرادوا أن يصفوا المعرفة بالجملة كما وصفوا بها النكرة و لم يجز أن يجروها عليها لكونها نكرة، فأصلحوا اللفظ بإدخال (الذي) ليباشر بلفظ حرف التعريف المعرفة، فقالوا: مررت بزيد الذي قام أخوه، و طريق إصلاح اللفظ كثير واسع.
و ذكر [١] ابن يعيش في قولهم: سواء عليّ أقمت أم قعدت، أن سواء مبتدأ، و الفعلان بعده كالخبر لأن بهما تمام الكلام و حصول الفائدة، قال: فكأنهم أرادوا إصلاح اللفظ و توفيته حقه.
و قال [٢] ابن يعيش: اعلم أن قولهم: أقائم الزيدان، إنما أفاد نظرا إلى المعنى، إذ المعنى: أيقوم الزيدان، فتمّ الكلام لأنه فعل و فاعل، و قائم هنا اسم من جهة اللفظ، و فعل من جهة المعنى، فلما كان الكلام تاما من جهة المعنى أرادوا إصلاح اللفظ فقالوا: أقائم مبتدأ و الزيدان يرتفع به و قد سّد مسدّ الخبر، من حيث أن الكلام تمّ به و لم يكن ثم خبر محذوف.
قال: و أما قولهم: (ضربي زيدا قائما) فهو كلام تامّ باعتبار المعنى، إلا أنه لا بدّ من النظر للفظ و إصلاحه، لكون المبتدأ فيه بلا خبر، و ذلك أن (ضربي) مبتدأ
[١] انظر شرح المفصّل (١/ ٩٣).
[٢] انظر شرح المفصّل (١/ ٩٦).