الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٧٤
و صدرها لا آخرها و عجزها، فتقديرها أول: لأن زيدا منطلق، فلما كره تلاقي حرفين لمعنى واحد و هو التوكيد أخرت اللام إلى الخبر، فصار: إن زيدا لمنطلق.
و إنما أخّرت اللام و لم تؤخر (إنّ) لأوجه:
منها: أن اللام لو تقدّمت و تأخرت (إنّ) لم يجز أن تنصب اسمها الذي من عادتها نصبه.
و منها: أنه لو تأخّرت و نصب لأدّى إلى عمل إن فيما قبلها و (إنّ) لا تعمل إلا فيما بعدها.
و من: إصلاح اللفظ: قولهم: كأنّ زيدا عمرو، و أصل الكلام زيد كعمرو، ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيه (إنّ) فقالوا: إنّ زيدا كعمرو، ثم إنهم بالغوا في توكيد الشبه فقدّموا حرفه إلى أول الكلام عناية به و إعلاما أن عقد الكلام عليه، فلما تقدّمت الكاف و هي جارة لم يجز أن تباشر (إنّ) لأنها تقطع عنها ما قبلها من العوامل، فوجب لذلك فتحها فقالوا كأن زيدا عمرو.
و من ذلك قولهم: لك مال، و عليك دين، فالمال و الدين هنا مبتدآن و ما قبلهما خبر عنهما إلا أنك لو رمت تقديمهما إلى المكان المقدر لهما لم يجز لقبح الابتداء بالنكرة في الواجب، فلما جفا ذلك في اللفظ أخّروا المبتدأ و قدّموا الخبر فكان ذلك سهلا عليهم و مصلحا ما فسد عندهم، و إنما كان تأخيره مستحسنا من قبل أنه لما تأخر وقع موقع الخبر، و من شرط الخبر أن يكون نكرة، فلذلك صلح به اللفظ، و إن كنا قد أحطنا علما بأنه في المعنى مبتدأ، فأما من رفع الاسم في نحو هذا بالظرف فقد كفي مؤونة هذا الاعتذار، لأنه ليس مبتدأ عنده، و من ذلك امتناعهم من الإلحاق بالألف إلا أن تقع آخرا نحو: أرطى و معزى و حبنطى و سرندى، و ذلك أنها إذا وقعت طرفا وقعت موقع حرف متحرّك، فدل ذلك على قوتها عندهم، و إذا وقعت حشوا وقعت موقع الساكن فضعفت، لذلك فلم تقو، فيعلم بذلك إلحاقها بما هي على سمت متحركة، ألا ترى أنك لو ألحقت بها ثانية فقلت حاتم ملحق بجعفر، لكانت مقابلة لعينه و هي ساكنة، فاحتاطوا للّفظ بأن قابلوا بالألف فيه الحرف المتحرّك ليكون أقوى لها و أدلّ على شدة تمكّنها و ليعلم ثبوتها أيضا و كون ما هي فيه على وزن أصل من الأصول له أنها للإلحاق به، و ليست كذلك ألف قبعثرى و ضبغطرى؛ لأنها و إن كانت طرفا و منوّنة فإن المثال الذي هي فيه لا مصعد للأصول إليه فيلحق هذا به، لأنه لا أصل لنا سداسيا فإنما ألف قبعثرى قسم من الألفات الزوائد في أواخر الكلم ثالث لا للتأنيث و لا للإلحاق.