الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٦٦
و قال بعضهم: الاشتقاق أن تجد بين اللّفظين مشاركة في المعنى و الحروف الأصول مع تغيير ما. أما المشاركة في المعنى فلأنهم لا يجعلون الوجد و الموجود من باب الاشتقاق، و أما المشاركة في الحروف الأصول فلأنهم لا يقولون: إن الكاذب و المائن من أصل واحد. و أما التغيير من وجه فلا بدّ منه و إلّا لكان هو إياه.
ثم إن التغيير قد يكون بزيادة، و قد يكون بنقصان، و قد يكون بتغيير حركة.
و لا بدّ من زيادة أحدهما على الآخر في المعنى و إلا لزم أن تكون المصادر التي هي من أصل واحد بعضها مشتقّ من بعض نحو: كلّ بصري كلولا و كلّة، و حسبت الحساب حسبا و حسبانا، و قدرت الشيء- من التقدير- قدرا و قدرانا، و قدرت على الشيء بمعنى قويت عليه قدرة و قدرانا و تقدرة و مقدرة، فهذا و نحوه متّحد الأصل، مع أنه لا ينبغي أن يقال: أحدهما مشتقّ من الآخر، على أن ذلك بحث لفظي آئل إلى مجرّد اصطلاح.
و أما المشتقّ فهو ما وافق غيره في حروفه الأصول و معناه الأصلي و زاد معنى من غير جنس معناه.
قال: و إنما قلت من غير جنس معناه لتخرج التثنية و الجمع، و يدخل المصغّر و المنسوب، فنسبة المشتقّ إلى المشتقّ منه نسبة الأخصّ إلى الأعمّ، نحو إنسان و حيوان. قال: و هذا إن سلّمه الكوفيون لزم أن يكون الفعل مشتقا من المصدر لموافقته للمصدر في معناه و زيادته عليه بالدلالة على الزمان المخصوص.
الثانية: قال أبو البقاء في (التبيين) [١]: الدليل على أن الفعل مشتقّ من المصدر طرق:
منها: وجود حدّ الاشتقاق في الفعل، و ذلك أن الفعل يدلّ على حدث و زمان مخصوص فكان مشتقا و فرعا على المصدر كلفظ ضارب و مضروب، و تحقيق هذه الطريقة أن الاشتقاق يراد لتكثير المعاني، و هذا المعنى لا يتحقق إلا في الفزع الذي هو الفعل، و ذلك أن المصدر له معنى واحد و هو دلالته على الحدث فقط و لا يدل على الزمان بلفظه، و الفعل يدلّ على الحدث و الزمان المخصوص، فهو بمنزلة اللفظ المركب، فإنه يدلّ على أكثر مما يدلّ عليه المفرد، و لا تركيب إلا بعد الإفراد، كما أنه لا دلالة على الحدث و الزمان المخصوص إلا بعد الدلالة على الحدث وحده، و قد
[١] انظر كتاب مسائل خلافية في النحو (٧٤) .