الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٩
و مما وضع للاختصار العدد، فإن عشرة و مائة و ألفا قائم مقام درهم و درهم و درهم إلى أن تأتي بجملة ما عندك مكررا هكذا، و من ثم قالوا: ثلاث مائة درهم، و لم يقولوا: ثلاث مئات، كما هو القياس في تمييز الثلاثة إلى العشرة أن يكون جمعا كثلاثة دراهم؛ لأنهم أرادوا الاختصار تخفيفا لاستطالة الكلام باجتماع ثلاثة أشياء:
العدد الأول و الثاني و المعدود، فخفّفوا بالتوحيد مع أمن اللّبس، هكذا علّله الزمخشري في (الأحاجي) [١]، و أورد عليه السخاوي في شرحه أنهم قالوا: ثلاثة آلاف درهم، فلم يخفّفوا بالتوحيد مع اجتماع ثلاثة أشياء، قال: و الصواب في التوحيد أن المائة لما كانت مؤنثة استغني فيها بلفظ الإفراد عن الجمع لثقل التأنيث بخلاف الألف، و قيل: إنما جمعوا في الألف دون المائة لأن الألف آخره مراتب العدد فحملوا الآخر على الأول كما قالوا: ثلاثة رجال. و مما بني على الاختصار منع الاستثناء من العدد، لأن قولك: عندي تسعون، أخصر من مائة إلا عشرة.
و قال الشيخ جمال الدين بن هشام في تذكرته: باب التصغير معدول به عن الوصف، و قال: إنهم استغنوا بياء و تغيير كلمة عن وصف المسمّى بالصغر بعد ذكر اسمه، ألا ترى أن ما لا يوصف لا يجوز تصغيره، فدلّ ذلك على أن التصغير معدول به عن الوصف.
و قال الأندلسي: الغرض من التصغير وصف الشيء بالصغر على جهة الاختصار.
و قال ابن يعيش في (شرح المفصل) [٢] و صاحب (البسيط): إنما أتي بالأعلام للاختصار و ترك التطويل بتعداد الصفات، ألا ترى أنه لو لا العلم لاحتجت إذا أردت الإخبار عن واحد من الرجال بعينه أن تعدّد صفاته حتى يعرفه المخاطب، فأغنى العلم عن ذلك أجمع.
قال صاحب (البسيط): و لهذا المعنى قال النحاة: العلم عبارة عن مجموع صفات.
قال صاحب (البسيط): فائدة وضع أسماء الأفعال الاختصار و المبالغة، أما الاختصار فإنها بلفظ واحد مع المذكر و المؤنث و المثنى و المجموع نحو: صه يا زيد، و صه يا هند، و صه يا زيدان، و صه يا زيدون، و صه يا هندات؛ و لو جئت بمسمّى هذه اللفظة لقلت: اسكت و اسكتي و اسكتا و اسكتوا و اسكتن، و أما المبالغة فتعلم من لفظها فإن (هيهات) أبلغ في الدلالة على البعد من (بعد) و كذلك باقيها، و لو لا إرادة الاختصار و المبالغة لكانت الأفعال التي هي مسماها تغني عن وضعها.
[١] الأحاجي النحوية (ص ٥٠).
[٢] انظر شرح المفصل (١/ ٢٧).