الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٣٢
و ذلك أن العرف و العادة إذا أريد الاقتصار على أحد الجائزين أن يكون ذلك المقتصر عليه هو أقيسهما فيه، ألا تراك تقول في تحقير أسود و جدول أسيّد و جديّل بالقلب، و تجيز من بعد الإظهار و أن تقول: أسيود، و جديول، فإذا صرت إلى باب مقام و عجوز اقتصرت على الإعلال ألبتة فقلت: مقيّم و عجيّز، فأوجبت أقوى القياسين لا أضعفهما و كذلك نظائره.
فإن قلت: فقد تقول: فيها رجل قائم، و تجيز فيه النصب، فتقول: فيها رجل قائما، فإذا قدّمت أوجبت أضعف الجائزين فكذلك أيضا يقتصر في هذه الأفعال نحو، أكرمه و أشعره على أضعف الجائزين و هو الضم.
قيل: هذا إبعاد في التشبيه و ذلك أنك لم توجب النصب في (قائم) من قولك: فيها رجل قائما، و (قائما) هذا متأخر عن رجل في مكانه في حال الرفع و إنما اقتصرت على النصب فيه لما لم يجز فيه الرفع أو لم يقو، فجعلت أضعف الجائزين واجبا ضرورة لا اختيارا. و ليس كذلك كرمته أكرمه لأنه لم ينقص شيء عن موضعه و لم يقدم و لم يؤخر، فلو قيل: كرمته، أكرمه لكان كشتمته أشتمه و هزمته أهزمه.
و كذلك القول في نحو قولنا: ما جاءني إلا زيدا أحد في إيجاب نصبه، و قد كان النصب لو تأخر أضعف الجائزين فيه إذا قلت: ما جاءني أحد إلا زيدا، الحال فيهما واحدة، و ذلك أنك لم تجد مع تقديم المستثنى ما تبدله منه عدلت به- للضرورة- إلى النصب الذي كان جائزا فيه متأخرا. هذا كنصب (فيها قائما رجل) البتة، و الجواب عنهما واحد.
و إذا كان الأمر كذلك وجب البحث عن علة مجيء هذا الباب في الصحيح كله بالضم و علته عندي أن هذا موضع معناه الاعتلاء و الغلبة، فدخله لذلك معنى الطبيعة التي تغلب و لا تغلب و تلازم و لا تفارق، و تلك الأفعال بابها: فعل يفعل، كفقه يفقه إذا أجاد الفقه، و علم يعلم إذا أجاد العلم، و روينا عن أحمد بن يحيى عن الكوفيين:
ضربت اليد يده، على وجه المبالغة.
و كذلك نعتقد نحن أيضا في الفعل المبني منه فعل التعجب أنه قد نقل عن فعل و فعل إلى فعل، حتى صارت صفة التمكن و التقدم، ثم بني منه الفعل، فقيل: ما أفعله نحو ما أشعره، إنما هو من شعر، و قد حكاها أيضا أبو زيد، و كذلك ما أقتله و أكفره: هو عندنا من قتل و كفر تقديرا، و إن لم يظهر إلى اللفظ استعمالا، فلما كان قولهم كارمني فكرمته أكرمه و بابه صائرا إلى معنى فعلت أفعل أتاه الضم من هناك فاعرفه.