الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٢٩
قيل: إن العرب لمّا قوي في أنفسها أمر المفعول حتى كاد يلحق عندها برتبة الفاعل، و حتى قال سيبويه [١] فيهما: و إن كانا جميعا يهمانهم و يعنيانهم، خصوا المفعول إذا أسند الفعل إليه بضربين من الصنعة، أحدهما: تغيير صيغة المثال مسندا إلى المفعول، عن صورته مسندا إلى الفاعل، و العدة واحدة، و ذلك نحو: ضرب زيد، و ضرب، و قتل و أكرم و أكرم و دحرج و دحرج، و قتل و قتل، و الآخر: أنهم لم يرضوا و لم يقنعوا بهذا القدر من التغيير حتى تجاوزوه، إلى أن غيروا عدة الحروف مع ضم أوله، كما غيروا في الأول الصورة و الصيغة وحدها و ذلك قولهم: أحببته، و حب، و أزكمه اللّه و زكم، و أضأده و ضئد، و أملأه و ملئ.
قال أبو علي: فهذا يدلك على تمكن المفعول عندهم و تقدم حاله في أنفسهم إذا أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالفة لصيغته و هو للفاعل.
و هذا ضرب من تدريج اللغة، ألا ترى أنهم لما غيروا الصيغة و العدة واحدة في نحو ضرب و ضرب، و شرب و شرب تدرجوا من ذلك إلى أن غيروا الصيغة مع نقصان العدة، نحو أزكمه اللّه و زكم، و آرضه اللّه و أرض، فهذا كقولهم في حنيفة حنفي، لما حذفوا هاء حنيفة حذفوا أيضا ياءها، و لما لم يكن في حنيف تاء تحذف فتحذف لها الياء صحت الياء فقالوا فيه: حنيفي، و هذا الموضع هو الذي دعا ثعلبا في كتاب فصيحه أن أفرد له بابا فقال: هذا فعل بضمّ الفاء نحو قولك: عنيت بحاجتك و بقية الباب، إنما غرضه فيه إيراد الأفعال المسندة إلى المفعول و لا تسند إلى الفاعل في اللغة الفصيحة، ألا ترى أنهم يقولون: نخي زيد من النخوة، و لا يقال: نخاه كذا، و يقولون: امتقع لونه، و لا امتقعه كذا و يقولون: انقطع بالرجل و لا يقولون انقطع به كذا، فلهذا جاء بهذا الباب، أي ليريك أفعالا خصّت بالإسناد إلى المفعول دون الفاعل، كما خصّت أفعال بالإسناد إلى الفاعل دون المفعول نحو: قام زيد، و قعد جعفر و ذهب و انطلق، و لو كان غرضه أن يريك صور ما لم يسمّ فاعله مجملا غير مفصل على ما ذكرنا لأورد فيه نحو: ضرب و ركب و أكرم و استقصي و هذا يكاد يكون إلى ما لا نهاية له، فاعرف هذا الغرض فإنه أشرف من حفظ مائة ورقة لغة.
و نظير مجيء اسم المفعول هنا على حذف الزيادة نحو: أحببته فهو محبوب- مجيء اسم الفاعل على حذفها أيضا و ذلك نحو قولهم: أورس الرمث فهو وارس و أيفع فهو يافع و أبقل فهو باقل. قال تعالى: وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: ٢٢]
[١] انظر الكتاب (١/ ٦٩).