الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٦١
القوة و الصوت مثلها، و إذا كان كذلك لزم أن لا تنقلب الواو الثانية للكسرة قبلها، لأنها بإزاء الكسرة المخالفة للواو الأولى الموافقة للفظ الثانية، فإذا تأدى الأمر بالمعادلة إلى هنا توفت الواو و الكسرة أحكامهما فكان لا كسرة قبلها و لا واو، و إذا كان كذلك لم تجد أمرا تقلب له الواو الثانية ياء، فكان يجب على هذا أن تخرج الواو الثانية من (اطووجل) صحيحة غير معلة لتوفي ما قبلها من الواو و الكسرة أحكامهما و تكافيهما فيما ذكرنا، فدلّ قلب الواو الثانية ياء حتى صارت (اطوايجل)، على أن الكسرة أدنى إليها من الواو قبلها، و إذا كانت أدنى إليها كانت بعد الواو المحركة بها لا محالة.
قال الفارسي: و يقوّي قول من قال: إنها تحدث مع الحرف أن النون، الساكنة مخرجها مع حروف الفم من الأنف، و المتحركة مخرجها من الفم، فلو كانت حركة الحرف تحدث من بعده لوجب أن تكون النون المتحركة أيضا من الأنف، و ذلك أن الحركة إنما تحدث بعدها، فكان ينبغي أن لا تغني عنها شيئا لسبقها هي لحركتها.
قال ابن جني: كذا قال الفارسي، قال: و رأيته معنيا بهذا الدليل، و هو عندي ساقط عن سيبويه و غير لازم له، لأنه لا ينكر أن يؤثر الشيء فيما قبله من قبل وجوده، لأنه قد علم أن سيرد فيما بعده، و ذلك كثير. فمنه أن النون الساكنة إذا وقعت بعدها الباء قلبت النون ميما في اللفظ و ذلك نحو: عمير و شمباء في عنبر و شنباء، فكما لا يشكّ في أن الباء في ذلك بعد النون و قد قلبت النون قبلها، فكذلك لا ينكر أن تكون حركة النون الحادثة بعدها تزيلها عن الأنف، بل إذا كانت الباء أبعد عن النون قبلها من حركة النون فيها و قد أثرت على بعدها ما أثرته، كانت حركة النون التي هي أقرب إليها و أشد التباسا بها أولى بأن تجتذبها و تنقلها من الأنف إلى الفم، و مما غير متقدما لتوقع ما يرد من بعده ضمهم همزة الوصل لتوقع الضمة بعدها نحو: أدخل، أستصغر، استخرج.
قال ابن جني: و مما يقوّي عندي قول من قال: إن الحركة تحدث قبل الحرف، إجماع النحويين على قولهم إن الواو في نحو: يعد ويزن إنما حذفت لوقوعها بين ياء و كسرة، يعنون في: يوعد و يوزن لو خرج على أصله. فقولهم: بين ياء و كسرة يدلّ على أن الحركة عندهم قبل حرفها المتحرك بها، ألا ترى أنه لو كانت الحركة بعد الحرف كانت الواو في يوعد بين فتحة و عين، و في: يوزن بين فتحة وزاء، فقولهم:
بين ياء و كسرة يدلّ على أن الواو في نحو: يوعد عندهم بين الياء التي هي أدنى إليها من فتحها و كسرة العين التي هي أدنى إليها من العين بعدها. قال: و هذا و إن كان من الوضوح على ما تراه فإنه لا يلزم من موضعين.