الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٣٩
فالجواب ما قال المازنيّ: إن أصل هذا أن تشير به إلى واحد حاضر، فلما دعوته نزعت منه الإشارة التي كانت فيه و ألزمته إشارة النداء فصارت (يا) عوضا من نزع الإشارة، و من أجل ذلك لا يقال: هذا أقبل، لأن (يا) قد صارت عوضا من الإشارة.
التغليب
قال ابن هشام في (المغني) [١]: القاعدة الرابعة أنهم يغلبون على الشيء ما لغيره لتناسب بينهما أو اختلاط، فلهذا قالوا: الأبوين في (الأب و الأم) و في الأب و الخالة، و المشرقين و المغربين و الخافقين في المشرق و المغرب، و إنما الخافق المغرب سمّي خافقا مجازا، و إما هو مخفوق فيه، و القمرين في الشمس و القمر، و العمرين في أبي بكر و عمر، و العجاجين في رؤبة و العجاج، و المروتين في الصّفا و المروة، و لأجل الاختلاط أطلقت (من) على ما لا يعقل في نحو: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ [النور: ٤٥] الآية. و اسم المخاطبين على الغائبين في نحو قوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:
٢١]، لأن (لعلّ) متعلقة بخلقكم لا باعبدوا، و المذكّرين على المؤنث حتى عدت منهم في: وَ كانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [التحريم: ١٢] و الملائكة على إبليس حتى استثني منهم في: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: ٣٤].
و من التغليب: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [الأعراب: ٨٨]، فإن شعيبا عليه السلام لم يكن في ملّتهم قطّ بخلاف الذين آمنوا معه، و قوله: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [الشورى: ١١] فإن الخطاب فيه شامل للعقلاء و الأنعام، فغلب المخاطبون و العقلاء على الغائبين و الأنعام. قالوا: و يغلب المؤنث على المذكر في مسألتين:
إحداهما: (ضبعان) في تثنية ضبع للمؤنث و ضبعان للمذكر، إذ لم يقولوا ضبعانات.
و الثانية: (التاريخ)، فإنهم أرّخوا بالليالي دون الأيام، ذكر ذلك الزجاجي و جماعة.
قال ابن هشام: و هو سهو، فإن حقيقة التغليب أن يجتمع شيئان فيجري حكم أحدهما على الآخر و لا يجتمع اللّيل و النهار و لا هنا تعبير عن شيئين بلفظ أحدهما، و إنما أرخت العرب بالليالي لسبقها إذ كانت أشهرهم قمرية، و القمر إنما يطلع ليلا.
[١] انظر مغني اللبيب (٢/ ٧٦٤).