الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٢٩
وسيلة، إلا أن البدل أعمّ استعمالا من العوض، و ذلك أنا نقول: إنّ ألف (قام) بدل من الواو في (قوم)، و لا نقول إنها عوض منها. و نقول: إن الميم في آخر (اللّهم) بدل من (ياء) في أوله، كما نقول: إنها عوض منها، و إن ياء (أينق) بدل من عينها، كما نقول: إنها عوض منها، أو لا ترى إلى سعة البدل، و ضيق العوض، و كذلك جميع ما استقريته تجد البدل فيه شائعا و العوض ضيقا، فكل عوض بدل و ليس كلّ بدل عوضا.
كذا وضع هذين اللفظين أهل هذا العلم فاستعملوه في عباراتهم و أجروا عليه عاداتهم، و هذا الذي رأوه في هذا هو القياس، و ذلك أن تصرّف (ع و ض) في كلام العرب أين وقعت إنما هو لأن يأتي مستقبل ثان خالفا لمنقض، و من ذلك تسميتهم الدهر (عوض) لأنه موضوع على أن ينقضي الجزء منه و يخلفه جزء آخر من بعده، و معلوم أن ما يمضي من الدّهر فان لا يعاد و معاد لا يرتجع، و مما ورد في فوت المعوض منه قوله: [الرمل]
[٨١]- عاضها اللّه غلاما بعد ما
شابت الأصداغ و الضّرس نقد
أي: عوّضها اللّه الولد مما أخذه منها من سواد الشعر و صحة الفم، فهذه حال تصرف (ع و ض). و ليس كذلك تصرف (ب د ل) لأن البدل من الشيء قد يكون و الشيئان جميعا موجودان، ألا ترى إلى قول النحويين في: مررت بأخيك زيد، أن زيدا بدل من أخيك، و إن كانا جميعا موجودين، فأما من قال: إن زيدا مترجم عن الأخ، فإنه لا يأبى أيضا أن يقول: بدل منه، و إنما آثر لفظ الترجمة هنا و إن كان يعتقد صحّة لفظ البدل فيه كألفاظ يختارها أحد الفريقين و يجيز مع ذلك ما أجاز الفريق الآخر كالجرّ و الخفض و الصفة و النعت و الظرف و المحلّ و التمييز و التفسير و غير ذلك.
و مما ينبغي أن تعرف فرقا بين البدل و العوض أن من حكم البدل أن يكون في موضع المبدل منه، و العوض ليس بابه أن يكون في موضع المعاض منه، ألا ترى أن ياء (ميزان) بدل من الواو التي هي فاؤها و هي مع ذلك واقعة موقعها، و كذلك واو (موسر) بدل من الياء التي هي فاؤها و هي في مكانها، و دال (ودّ) الأولى بدل من تاء (وتد) و هي في مكانها، و الألف في: (رأيت زيدا) بدل من تنوينه و هي في مكانه، و ليس أحد يقول إن ياء (ميزان) عوض من واوه، و لا ألف (قام) عوض من واوه، و لا ألف (رأيت زيدا) عوض من تنوينه في الوصل، و سبب ذلك ما قدمناه من أن (ع و ض)
[٨١] - الشاهد للهذليّ في لسان العرب (نقد)، و بلا نسبة في إصلاح المنطق (ص ٤٩)، و الخصائص (٢/ ٧١)، و شرح شواهد المغني (ص ٨٧٣)، و لسان العرب (صدغ)، و مغني اللبيب (ص ٤٨٥).