المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩
فقال: اسقوني فقال العبّاس: إنّ هذا النبيذ شراب قد مغث و خيض بالأيدي أ فلا آتيك بشراب أنظف من هذا في جرّ مخمّر في البيت؟ فقال: اسقوني من هذا الّذي يشرب منه الناس ألتمس بركة أيدي المسلمين. فشرب منه» [١].
فإذن كيف يستدلّ باعتزال الكفّار و الأصنام على اعتزال المسلمين مع كثرة البركة فيهم.
و احتجّوا بقول موسى عليه السّلام: «وَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ» [٢] فإنّه فزع إلى العزلة بعد اليأس منهم.
و قال أصحاب الكهف: وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ [٣] أمرهم بالعزلة، و قد اعتزل نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قريشا لمّا آذوه و جفوه و دخل الشعب و أمر أصحابه باعتزالهم و الهجرة إلى أرض الحبشة ثمّ تلاحقوا به في المدينة بعد أن أعلى اللَّه كلمته، و هذا أيضا اعتزال عن الكفّار بعد اليأس منهم فإنّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لم يعتزل المسلمين و لا من توقّع إسلامه من الكفّار و أهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضا و هم مؤمنون، و إنّما اعتزلوا الكفّار، و إنّما النظر في العزلة من المؤمنين.
و احتجّوا بقوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: لعبد اللَّه بن عامر الجهني لمّا قال: يا رسول اللَّه ما النجاة؟ قال: «ليسعك بيتك و أمسك عليك دينك، و ابك على خطيئتك» [٤].
و روي أنّه قيل لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «أيّ الناس أفضل؟ فقال: مؤمن مجاهد بنفسه و ماله في سبيل اللَّه، قيل: ثمّ من؟ قال: رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربّه و يدع الناس من شرّه» [٥].
[١] قال العراقي: أخرجه الارزقى في التأريخ من حديث ابن عباس بسند ضعيف و من رواية طوس و فيه ضعف. و «مغثه» أي خلطه و أصل المغث: الدلك بالأصابع.
[٢] دخان: ٢١.
[٣] الكهف: ١٦.
[٤] أخرجه أحمد ج ٤ ص ١٤٨ و رواه الترمذي أيضا و قال: حسن.
[٥] أخرجه البخاري ج ٤ ص ١٨، و ابن ماجة تحت رقم ٣٩٧٨.
المحجة