المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٠
الطائفين منتزهات الأنفس و الملكوت و الآفاق، و إليه دعا اللَّه- سبحانه- بقوله:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ [١] و بقوله: وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [٢] و على العقود عن هذا السفر وقع الإنكار بقوله تعالى:
وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [٣] و بقوله تعالى:
وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [٤] فمن يسرّ له هذا السفر لم يزل في سفره متنزّها في جنّة عرضها السماوات و الأرض و هو ساكن بالبدن مستقرّ في الوطن، و هو السفر الّذي لا تضيق فيه المناهل و الموارد، و لا يضرّ فيه التزاحم و التوارد، بل يزيد بكثرة المسافرين غنائمه، و تتضاعف ثمراته و فوائده، فغنائمه دائمة غير ممنوعة، و ثمراته متزايدة غير مقطوعة إلّا إذا بدا للمسافر فترة في سفره و وقفة في حركته، ف إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، و ما اللَّه بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[١]و لكنّهم يظلمون أنفسهم و من لم يؤهّل للجولان في هذا الميدان و التطواف في منتزهات هذا البستان ربما سافر بظاهر بدنه في مدّة مديدة فراسخ معدودة مغتنما بها تجارة للدنيا أو ذخيرة للآخرة فإن كان مطلبه العلم و الدّين أو الكفاية على الاستعانة على الدّين كان من سالكي سبيل الآخرة، و كان له في سفره شروط و آداب إن أهملها كان من عمّال الدّنيا و أتباع الشيطان و إن واظب عليها لم يخل سفره عن فوائد تلحقه بعمّال الآخرة، و نحن نذكر آدابه و شروطه في ثلاثة أبواب: [٥] الباب الأوّل في فوائد السفر و فضله و نيّته.
الباب الثاني في آداب السفر من أوّل النهوض إلى آخر الرّجوع.
الباب الثالث في ما لا بدّ للمسافر من تعلّمه من رخص السفر و أدلّة القبلة و غيرها.
[١] اقتباسات من التنزيل و فيه في سورة فصلت: ٤٦ هكذا وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
[١] فصلت: ٥٣.
[٢] الذاريات: ٢٠ و ٢١.
[٣] الصافات: ١٣٧ و ١٣٨.
[٤] يوسف: ١٠٥.
[٥] في الاحياء «في بابين». و جعل الأول و الثاني واحدا.
المحجة