المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣
أحدها أنّ التواضع و المخالطة لا ينقص من منصب من هو كبير بعلمه أو دينه إذ كان عليّ عليه السّلام يحمل التمر و المالح في ثوبه و يقول:
لا ينقص الكامل من كماله
ما جرّ من نفع إلى عياله
و كان حذيفة و أبيّ و ابن مسعود يحملون حزمة الحطب و جراب الدّقيق و غيرها على أكتافهم.
و كان سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يشتري الشيء فيحمله إلى بيته بنفسه فيقول له صاحبه: أعطني أحمله، فيقول: «صاحب المتاع أحقّ بحمله» [١].
و كان الحسن بن عليّ عليهما السّلام يمرّ بالسؤّال و بين أيديهم كسر فيقولون: هلمّ إلى الغداء يا ابن رسول اللّه- و هم جلوس على الطريق- فكان ينزل على الطريق و يأكل معهم، و يقول: إنّ اللَّه لا يحبّ المستكبرين» [٢].
الوجه الثاني أنّ الّذي شغل نفسه بطلب رضا الناس عنه و تحسين اعتقادهم فيه مغرور، لأنّه لو عرف حقّ المعرفة علم أنّ الخلق لا يغنون عنه من اللَّه شيئا و أنّ ضرره و نفعه بيد اللَّه، فلا نافع و لا ضارّ إلّا اللَّه عزّ و جلّ، و أنّ من طلب رضا الناس و محبّتهم بسخط اللَّه سخط اللَّه عليه و أسخط عليه الناس، بل رضا الناس غاية لا تدرك فرضا اللَّه تعالى أولى بالطلب، و لذلك قيل: ليس إلى السلامة من الناس سبيل فانظر إلى ما يصلحك فافعله و قيل شعرا:
من راقب الناس مات غمّا
و فاز بالرّاحة الجسور
و نظر سهل إلى واحد من أصحابه فقال: اعمل كذا و كذا فقال: يا استادي لا أقدر عليه لأجل الناس، فالتفت إلى أصحابه و قال: لا ينال عبد حقيقة من هذا الأمر حتّى يكون بأحد وصفين: عبد يسقط الناس من عينه فلا يرى في الدّنيا إلّا
[١] أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة في حمله عليه السّلام السراويل التي اشتراها.
و أخرجه ابن عساكر و الطبراني في الأوسط بسند ضعيف كما في الجامع الصغير.
[٢] كتاب الفنون عن أحمد بن المؤدب و نزهة الابصار عن ابن المهدي كما في كتاب المناقب لابن شهرآشوب ج ٤ ص ٢٣.
المحجة