المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦
أرجو، و لا أستطيع دفع ما أحاذر، و أصبحت مرتهنا بعملي و الخير كلّه في يد غيري، فلا فقير أفقر منّي.
و كان الربيع بن خثيم إذا قيل له: كيف أصبحت، قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نستوفي أرزاقنا و ننتظر آجالنا.
و كان أبو الدّرداء إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بخير إن نجوت من النّار.
فقد كان سؤالهم عن أمور الدّين و أحوال القلب في معاملة اللَّه و إن سألوا عن أمور الدّنيا فعن اهتمام و عزم على القيام بما يظهر لهم من الحاجة.
و قال بعضهم: إنّي لأعرف أقواما كانوا يتلاقون و لو حكم أحدهم على صاحبه بجميع ما يملكه لم يمنعه، و أرى الآن أقواما يتلاقون و يسألون حتّى الدّجاجة في البيت، و لو انبسط أحدهم لحبّة من مال صاحبه لمنعه فهل هذا إلّا مجرّد الرياء و النفاق؟ و آية ذلك أنّك ترى هذا يقول: كيف أنت؟ و يقول الآخر:
كيف أنت؟ و السائل لا ينتظر الجواب و المسئول يشتغل بالسؤال و لا يجيب، و ذلك لمعرفتهم بأنّ ذلك عن رياء و تكلّف، و لعلّ القلوب لا تخلو عن ضغائن و أحقاد و الألسنة تنطلق بالسؤال و المقصود أنّ الالتقاء في غالب العادات ليس يخلو عن أنواع من التصنّع و الرياء و النفاق، و كلّ ذلك مذمومات بعضها محظور و بعضها مكروه، و في العزلة الخلاص من ذلك، فإنّ من لقي الخلق و لم يخالقهم بأخلاقهم مقّتوه و استثقلوه و اغتابوه و تشمروا لإيذائه فيذهب دينهم فيه و دينه و دنياه في الانتقام منهم.
و أمّا مسارقة الطبع لما يشاهده من أعمال الناس و أخلاقهم فهو داء دفين قلّما يتنبّه له العقلاء فضلا عن الغافلين، فلا يجالس الإنسان فاسقا مدّة مع كونه منكرا عليه في باطنه إلّا و لو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينها تفرقة في النفرة عن الفساد و استثقاله إذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هيّنا على الطبع و يسقط وقعه و استعظامه له، و إنّما الوازع عنه شدّة وقعه في القلب فإذا صار مستصغرا بطول
المحجة