المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١
مسجدك و اصنع هكذا- و قبض على الكوع- و قل: ربّي اللَّه حتّى تموت» [١].
و كان في الصّحابة عشرة آلاف فما خفّ أيّام الفتنة أكثر من أربعين رجلا.
و جلس طاوس في بيته فقيل له في ذلك، فقال: فساد الزّمان و حيف الأئمّة.
و لما بني عروة قصره بالعقيق و لزمه و لم يخرج قيل له: لزمت القصر و تركت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: رأيت مساجدكم لاهية، و أسواقكم لاغية، و الفاحشة في فجاجكم عالية، و فيما هناك عمّا أنتم فيه عافية.
فإذن الحذر من الخصومات و مثارات الفتن إحدى فوائد العزلة.
الفائدة الرابعة الخلاص من شرّ الناس
فإنّهم يؤذونك مرّة بالغيبة و مرّة بسوء الظنّ و التهمة و مرّة بالاقتراحات و الأطماع الكاذبة الّتي يعسر الوفاء بها و تارة بالنميمة و الكذب، فربما يرون منك من الأعمال و الأقوال ما لا يبلغ عقولهم كنهه فيتّخذون ذلك ذخيرة عندهم يدّخرونها لوقت يظهر فيه فرصة للشرّ فإذا اعتزلتهم استغنيت من التحفّظ عن جميع ذلك، و لذلك قال بعض الحكماء لغيره: أعلّمك بيتين خيرا من عشرة آلاف درهم فقال: ما هما فقال شعرا:
اخفض الصّوت إنّ نطقت بليل
و التفت بالنّهار قبل المقال
ليس للقول رجعة حين يبدو
بقبيح يكون أو بجمال
و لا شكّ أنّ من اختلط الناس و شاركهم في أعمالهم لم ينفكّ من حاسد و عدوّ يسيء الظنّ به و يتوهّم أنّه يستعدّ لمعاداته و لنصب المكيدة عليه و لتدسيس غائلة وراءه، فالناس مهما اشتدّ حرصهم على أمر يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ، فَاحْذَرْهُمْ و قد اشتدّ حرصهم على الدّنيا فلا يظنّون بغيرهم إلّا الحرص عليها.
قال المتنبّي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
و صدّق ما يعتاده من توهّم
و عادى محبّيه بقول عداته
و أصبح في ليل من الشكّ مظلم
[١] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٤١٥ مختصرا و الخطابي في العزلة بتمامه بسند منقطع كما في المغني.
المحجة