المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٢
درجته، فلا ينبغي أن يترك الجهد عند اليأس عن الرّتبة العليا فإنّ ذلك غاية الجهل و نهاية الضلال، و قد كان من عادة السلف مفارقة الوطن خيفة من الفتن، قال بعضهم: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخامل فكيف على المشهور، هذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد كلّما عرف في موضع تحوّل إلى غيره.
القسم الرابع السفر هربا ممّا يقدح في البدن كالطاعون،
أو في المال كغلاء السعر، أو ما يجري مجراه و لا حرج في ذلك بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع، و ربما يستحبّ في بعض بحسب وجوب ما يترتّب عليه من الفوائد و استحبابه في ذلك و لكن يستثنى عنه الطاعون فلا ينبغي أن يفرّ منه لورود النهي فيه، قال أسامة ابن زيد: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ هذا الوجع أو السقم رجز عذّب به بعض الأمم قبلكم ثمّ بقي بعد في الأرض، فيذهب المرّة و يأتي الأخرى، فمن سمع به في أرض فلا يقدمنّ عليه و من وقع بأرض و هو بها فلا يخرجنّه الفرار منه» [١].
و قالت عائشة: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ من فناء امّتي بالطعن و الطاعون، فقلت: هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: غدّة كغدّة البعير تأخذهم في تراقيهم، المسلم الميّت منه شهيد، و المقيم عليه المحتسب كالمرابط في سبيل اللّه و الفارّ منه كالفارّ من الزّحف»[١].
و عن مكحول عن أمّ أيمن قالت: أوصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعض أهله «لا تشرك باللّه شيئا و إن عذّبت بالنّار أو خوّفت و أطع والديك و إن أمراك أن تخرج من كلّ شيء هو لك فاخرج منه، و لا تترك الصلاة عمدا فإنّ من ترك الصلاة عمدا فقد برئت منه ذمّة اللّه، إيّاك و الخمر فإنّها مفتاح كلّ شر، إيّاك و المعصية فإنّها تسخط اللّه، لا تفرّ من الزّحف، و إن أصاب الناس موتان و أنت فيهم
[١] أخرجه أحمد في المسند ج ٦ ص ١٤٥ و فيه: «لا يفنى أمتي الا بالطعن و الطاعون الحديث-» و سنده جيد. و لعل النهى عن الفرار من الطاعون لممانعة نقل المرض من بلد إلى بلد آخر و لذا نهى عن القدوم عليه أيضا.
[١] أخرجه مسلم ج ٧ ص ٢٧.
المحجة