المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥
الفائدة السادسة الخلاص من مشاهدة الثقلاء و الحمقى
و مقاساة حمقهم و أخلاقهم فإنّ رؤية الثقيل هي العمى الأصغر.
و قيل للأعمش: ممّ عمشت؟ قال: من النظر إلى الثقلاء.
و يحكى أنّه دخل عليه أبو حنيفة فقال له: في الخبر «من سلب اللَّه كريمته عوّضه عنهما ما هو خير منهما» [١] فما الّذي عوّضك؟ فقال في معرض المطايبة:
عوّضني عنهما أنّه كفاني رؤية الثقلاء و أنت منهم.
و قال ابن سيرين: سمعت رجلا يقول: نظرت إلى ثقيل مرّة فغشي عليّ.
و قال جالينوس: لكلّ شيء حمّى و حمّى الرّوح النظر إلى الثقلاء. و هذه فوائد ما سوى الأوليين متعلّقة بالمقاصد الدّنيوية الحاضرة، و لكنّها تتعلّق أيضا بالدّين فإنّ الإنسان مهما تأذّى برؤية ثقيل لم يلبث أن يغتابه و أن يستنكر ما هو صنع اللَّه و إذا تأذّى من غيره بغيبة أو سوء ظنّ أو محاسدة أو نميمة أو غير ذلك لم يصبر عن مكافأته و كلّ ذلك يجرّ إلى فساد الدّين و في العزلة سلامة عن جميع ذلك فليفهم.
آفات العزلة
اعلم أنّ من المقاصد الدّينيّة و الدّنيويّة ما يستفاد من الاستعانة بالغير و لا يحصل ذلك إلّا بالمخالطة، فكلّ ما يستفاد من المخالطة يفوت بالعزلة، و فواته من آفات العزلة، فانظر إلى فوائد المخالطة و الدّواعي إليها ما هي؟ و هي التعليم و التعلّم، و النفع و الانتفاع، و التأديب و التّأدّب، و الاستيناس و الإيناس، و إنالة الثواب و نيله في القيام بالحقوق، و اعتياد التواضع، و استفادة التجارب من مشاهدة الأحوال و الاعتبار بها،
فلنفصّل ذلك فإنّها من
فوائد المخالطة
و هي سبعة:
الفائدة الأولى التعليم و التعلّم
و قد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم و هما من أعظم العبادات في الدنيا و لا يتصوّر ذلك إلّا بالمخالطة إلّا أنّ العلوم كثيرة و عن بعضها مندوحة، و بعضها ضروريّ في الدّنيا، فالمحتاج إلى التعلّم لما هو فرض عليه عاص
[١] أخرجه الطبراني بإسناد ضعيف من حديث جرير كما في المغني و لاحمد ج ٥ ص ٢٥٨ نحوه من حديث أبي أمامة بإسناد جيد.
المحجة