المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٢
في أرضه و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل اللَّه حتّى يرجع» [١].
و في خبر آخر: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل اللَّه له طريقا إلى الجنّة» [٢].
و كان سعيد بن المسيّب يسافر الأيّام في طلب الحديث الواحد.
و قال الشعبيّ: لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدلّه على هدى أو تردّه عن ردى ما كان سفره ضايعا.
و رحل جابر بن عبد اللَّه من المدينة إلى مصر مع عشرة من الصحابة فساروا شهرا في حديث بلغه عن عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري يحدّث به عن رسول اللَّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى سمعوه» [٣].
و قلّ مذكور في العلم محصّل من زمان الصحابة إلى زماننا إلّا و حصّل العلم بالسفر، و سافر لأجله، و أمّا علمه بنفسه و أخلاقه فذلك أيضا مهمّ، فإنّ طريق الآخرة لا يمكن سلوكه إلّا بتحسين الخلق و تهذيبه، و من لا يطّلع على أسرار باطنه و خبائث صفاته لا يقدر على تطهير القلب منها، و إنّما السفر هو الّذي يسفر عن الأخلاق و به «يخرج اللَّه الْخَبْءَ [٤] فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و إنّما سمّي السفر سفرا لأنّه يسفر عن الأخلاق و لذلك قيل للّذي يعرف بعض الشهود: هل صحبته في السفر الّذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق؟ فقال: لا، فقال: ما أراك تعرفه.
و كان بشر يقول: يا معاشر القرّاء سيحوا تطيبوا، فإنّ الماء إذا كثر مقامه في موضع تغيّر.
[١] أخرجه الترمذي ج ١٠ ص ١١٦ و قال: هذا حديث غريب و قد تقدم ج ١ ص ١٩.
[٢] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٢٨٥، و رواه أحمد في المسند ج ٢ ص ٣٢٥ و قد تقدم ج ١ ص ٢٠.
[٣] أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٢ ص ٤٣٧، و أشار إليه البخاري ج ١ ص ٢٩.
[٤] الخبء يقال لكل مدخر مستور.
المحجة