المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠١
و حضر أبو جعفر عليه السّلام و صار القوّاد و الحجّاب و الخاصّة و العامّة لتهنية المأمون و أبي جعفر عليه السّلام، فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضّة و فيها بنادق المسك و زعفران معجون، في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة و عطايا سنيّة و إقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصّته، فكان كلّ من يقع في يده بندقة أخرج الرّقعة الّتي فيها و التمسه[١] فأطلق له، و وضعت البدر فنثر ما فيها على القوّاد و غيرهم، و انصرف الناس و هم أغنياء بالجوائز و العطايا، و تقدّم المأمون بالصدقة على كافّة المسلمين و لم يزل مكرما لأبي جعفر عليه السّلام، معظّما لقدره مدّة حياته، يؤثره على ولده و جماعة أهل بيته.
و قد روى الناس أنّ أمّ الفضل كتبت إلى المأمون من المدينة تشكو أبا جعفر عليه السّلام و تقول: إنّه يتسرّى عليّ و يغيرني، فكتب إليها المأمون: يا بنيّة إنّا لم نزوّجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالا فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها [١].
فصل و أمّا كراماته عليه السّلام
فقد سمعت ما ذكره ابن طلحة، و ممّا ذكره الشيخ المفيد- رحمه اللّه- [٢] أنّه لمّا توجّه أبو جعفر عليه السّلام من بغداد منصرفا من عند المأمون و معه امّ الفضل قاصدا بها المدينة صار إلى شارع باب الكوفة و معه الناس يشيّعونه فانتهى إلى دار المسيّب عند مغيب الشمس فنزل و دخل المسجد، و كان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النبقة و قام فصلّى بالناس صلاة المغرب فقرأ في الأولى الحمد و إذا جاء نصر اللّه، و قرأ في الثانية الحمد و قل هو اللّه أحد و قنت قبل ركوعه و صلّى الثالثة، و تشهّد و سلّم ثمّ جلس هنيهة يذكر اللّه تعالى و قام من غير أن يعقّب، فصلّى النوافل أربع ركعات و عقّب بعدها، و سجد سجدتي الشكر فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس و قد حمل حملا حسنا، فتعجّبوا من ذلك
[١] اى يلتمس ما في الرقعة من الجوائز.
[١] الإرشاد ص ٣٠٤.
[٢] الإرشاد ص ٣٠٤.
المحجة البيضاء، جلد٤، ص: ٣٠٢
و أكلوا منها فوجدوه نبقا حلوا لا عجم له، و ودّعوه و مضى عليه السّلام من وقته إلى المدينة فلم يزل بها إلى أن أشخصه المعتصم في أوّل سنة [خمس و] عشرين و مائتين إلى بغداد فأقام بها حتّى توفّي في آخر ذي القعدة من هذه السنة فدفن في ظهر جدّه أبي الحسن موسى عليهما السّلام.
و عن عليّ بن خالد قال: كنت بالعسكر فبلغني أنّ هناك رجلا محبوسا أتي به من الشام مكبولا و قالوا: إنّه تنبّأ، فأتيت الباب و دفعت شيئا للبوّابين حتّى وصلت إليه فإذا رجل له فهم و عقل فقلت له: يا هذا ما قصّتك؟ قال: إنّي كنت رجلا بالشأم أعبد اللّه في الموضع الّذي يقال إنّه نصب فيه رأس الحسين عليه السّلام فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر اللّه تعالى إذ رأيت شخصا بين يديّ فنظرت إليه فقال لي: قم، فقمت معه فمشى بي قليلا فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: تعرف هذا المسجد؟ فقلت: نعم هذا مسجد الكوفة، قال: فصلّى و صلّيت معه، ثمّ انصرف و انصرفت معه و مشى قليلا فإذا نحن بمسجد الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فسلّم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صلّى و صلّيت معه، ثمّ خرج و خرجت معه، فمشى قليلا فإذا أنا نحن بمكّة، فطاف بالبيت و طفت معه، ثمّ خرج و مشى قليلا، فإذا أنا بموضعي الّذي كنت فيه أعبد اللّه بالشأم و غاب الشخص عنّي، فبقيت متعجّبا حولا ممّا رأيت، فلمّا كان في العام المقبل رأيت ذلك الشخص فاستبشرت به، فدعاني فأجبته، ففعل كما فعل في العام الماضي، فلمّا أراد مفارقتي بالشأم قلت له: سألتك بالحقّ الّذي أقدرك على ما رأيت منك ألاّ أخبرتني من أنت؟
فقال: أنا محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر، فحدّثت من كان يصير إليّ بخبره فرقى ذلك إلى محمّد بن عبد الملك الزّيّات، فبعث إليّ من أخذني و كبّلني في الحديد، و حملني إلى العراق، و حبست كما ترى و ادّعي عليّ المحال، فقلت له: فأرفع عنك القصّة إلى محمّد بن عبد الملك الزّيّات؟ قال: افعل، فكتبت عنه قصّته و شرحت أمره فيها و رفعتها إلى محمّد فوقّع في ظهرها: قل للّذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة، و منها إلى المدينة، و منها إلى مكّة، و منها إلى الشام أن يخرجك من
المحجة