المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٥
على حبّه، و رغب كلّ واحد منهم في الطوى لإرضاء ربّه، و عرضوا تلك الأنفس الكريمة لمرارة الجوع، و أسهروا تلك العيون الشريفة من الخوي فلم تذق حلاوة الهجوع[١]و جعلوها لما وجدوه من الرقّة على المسكين و اليتيم و الأسير غرقى من الدّموع، و تكرّر عليهم ألم فقد الغذاء غدوّا و بكورا، و أضرم السغب في قلوب أهل الجنّة سعيرا، و أمنوا حين قالوا: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً، فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً و شكرهم من أنعموا عليه فقالوا: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً.
و الحسين عليه السّلام و إن كان فرعا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليّ و فاطمة عليهما السّلام فهو أصل لولده من بعده و كلّهم جواد كرام.
كرموا و جاد قبيلهم من قبلهم
و بنوهم من بعدهم كرماء
فالناس أرض في السماحة و الندى
و هم إذا عدّ الكرام سماء
لو أنصفوا كانوا لآدم وحدهم
و تفرّدت بولادهم حوّاء
و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد جاءته أمّ هانئ يوم الفتح تشكو أخاها عليّا عليه السّلام:
للَّه درّ أبي طالب لو ولد الناس كلّهم كانوا شجعانا، و كان عليّ عليه السّلام يقول في بعض حروبه:
«أملكوا عنّي هذين الغلامين فإنّي أنفس بهما على القتل لئلاّ ينقطع نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم».
و قيل لمحمّد بن الحنفيّة- رضي اللّه عنه-: أبوك يسمح بك في الحرب و يشحّ بالحسن و الحسين عليهما السّلام فقال: هما عيناه و أنا يده و الإنسان يقي عينيه بيده و قال مرّة أخرى و قد قيل له ذلك: أنا ولده و هما ولدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و الحماسة و السماحة رضيعتا لبان و قد تلازما في الجود فهما توأمان، و الجواد شجاع و الشجاع جواد.
قال: و شجاعة الحسين عليه السّلام يضرب بها المثل و صبره في مأقط الحراب[٢]
[١] الخوي: خلو الجوف من الطعام، و هجع جوعه هجعا فهجع جوعه هجوعا اى كسره فانكسر.
[٢] المأقط موضع القتال و قيل: المضيق في الحرب لأنهم يختلطون فيه، جمعه مآقط.
المحجة