المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٤
أعلمتني فأبغيكم شيئا؟ فقالت: يا أبا الحسن إنّي لأستحيي من إلهي أن تكلّف نفسك ما لا تقدر عليه فخرج عليّ عليه السّلام من عند فاطمة عليها السّلام واثقا باللّه حسن الظنّ به عزّ و جلّ فاستقرض دينارا فأخذه ليشتري لعياله ما يصلحهم فعرض له المقداد بن الأسود في يوم شديد الحرّ قد لوّحته الشمس من فوقه و آذته من تحته، فلمّا رآه عليّ عليه السّلام أنكر شأنه فقال: يا مقداد ما أزعجك هذه الساعة من رحلك؟ فقال: يا أبا الحسن خلّ سبيلي و لا تسألني عمّا ورائي، قال: يا أخي لا يسعني أن تجاوزني حتّى أعلم علمك، فقال: يا أبا الحسن رغبت إلى اللّه عزّ و جلّ و إليك أن تخلّي سبيلي و لا تكشفني عن حالي، فقال: يا أخي إنّه لا يسعك أن تكتمني حالك فقال: يا أبا الحسن أما إذا أبيت فو الّذي أكرم محمّدا بالنبوّة و أكرمك بالوصيّة ما أزعجني من رحلي إلّا الجهد و قد تركت عيالي جياعا، فلمّا سمعت بكاءهم لم تحملني الأرض فخرجت مهموما راكبا رأسي[١]هذه حالتي و قصّتي، فانهملت عينا عليّ عليه السّلام بالبكاء حتّى بلّت دموعه لحيته فقال: أحلف بالّذي حلفت به ما أزعجني إلّا الّذي أزعجك و قد اقترضت دينارا فهاكه، فقد آثرتك على نفسي فدفع الدّينار إليه و رجع حتّى دخل المسجد فصلّى الظهر و العصر و المغرب، فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المغرب مرّ بعليّ عليه السّلام و هو في الصفّ الأوّل فغمزه برجله فقام عليّ عليه السّلام فلحقه في باب المسجد فسلّم عليه فردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال: يا أبا الحسن هل عندك عشاء تعشّيناه فنميل معك؟
فمكث مطرقا لا يحير حوابا حياء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد عرف ما كان من أمر الدّينار و من أين أخذه و أين وجّهه بوحي من اللّه إلى نبيّه و أمره أن يتعشّى عند عليّ عليه السّلام تلك اللّيلة فلمّا نظر إلى سكوته، قال: يا أبا الحسن ما لك لا تقول: لا؟
فأنصرف أو نعم فأمضي معك؟ فقال: حياء و تكرّما فاذهب بنا فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيد عليّ عليه السّلام فانطلقا حتّى دخلا على فاطمة عليها السّلام و هي في مصلّاها قد قضت صلاتها و خلفها جفنة تفور دخانا، فلمّا سمعت كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خرجت من
[١] قال الزمخشري في الاساس: و من المجاز «ركب رأسه» مضى على وجهه بغير روية لا يطيع مرشدا، و هو يمشى الركبة و هم يمشون الركبات.
المحجة