المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣
في أنّ الأخير شرّ.
و قيل: أقلّ من معرفة الناس فإنّ التخلّص منهم شديد، و لا أحسب أنّي رأيت ما أكره إلّا ممّن عرفت.
و قال بعضهم: جئت إلى مالك بن دينار و هو قاعد وحده و إذا كلب قد وضع حنكه على ركبته فذهبت أطرده فقال لي: دعه يا هذا، هذا لا يضرّ و لا يؤذي و هو خير من الجليس السوء.
و قيل لبعضهم: ما حملك على أن تعتزل الناس؟ قال: خشيت أن أسلب ديني و لا أشعر. و هذا إشارة إلى مسارقة الطبع من أخلاق القرين السوء.
و قال أبو الدّرداء: اتّقوا اللَّه و احذروا الناس فإنّهم ما ركبوا ظهر بعير إلّا أدبروه، و لا ظهر جواد إلّا عقروه، و لا قلب مؤمن إلّا خرّبوه.
و قال بعضهم: اقلل المعارف فإنّه أسلم لدينك و قلبك، و أخفّ لسقوط الحقوق عنك لأنّه كلّما كثرت المعارف كثرت الحقوق و عسر القيام بالجميع.
و قال بعضهم: أنكر من تعرف و لا تتعرّف إلى من لا تعرف.
الفائدة الخامسة أن ينقطع طمع الناس عنك و ينقطع طمعك عن الناس،
فأمّا انقطاع طمع الناس ففيه كلّ الجدوى فإنّ رضا الناس غاية لا تدرك فاشتغال المرء بإصلاح نفسه أولى، و من أهون الحقوق و أيسرها حضور الجنائز و عيادة المرضى و حضور الولائم و الاملاكات و فيها تضييع الأوقات و التعرّض للآفات، ثمّ قد يعوق عن بعضها عائق و تستقبل فيها معاذير و لا يمكن إظهار كلّ الأعذار فيقولون: قمت بحقّ فلان و قصّرت في حقّي، و يصير ذلك سبب عداوة، فقد قيل: من لم يعد مريضا في وقت العيادة اشتهى موته خيفة من تخجيله إذا صحّ على تقصيره، و من عمّم الناس كلّهم بالحرمان رضوا عنه كلّهم و لو خصّص استوحشوا، و تعميمهم بجميع الحقوق لا يقدر عليه المتجرّد له طول اللّيل و النّهار، فكيف من له مهمّ يشغله في دين أو دنيا؟ و قد قيل: كثرة الأصدقاء كثرة الغرماء، و قال ابن الروميّ شعرا:
عدوّك من صديقك مستفاد
فلا تستكثرنّ من الصّحاب
المحجة