المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠١
فإنّه لم يقدّم أجله و لن يحرمه رزقا هو له» [١]، و هذا الحديث يدلّ على أنّه لا يجوز دخول دور الظلمة و الفسقة، و لا حضور المشاهد الّتي يشاهد المنكر فيها و لا يقدر على تغييره فإنّه قال: «اللّعنة تنزل على من حضر» و لا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارا بأنّه عاجز، و لهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكر في الأسواق و الأعياد و المجامع و عجزهم عن التغيير و هذا يقتضي لزوم الهجرة للخلق.
و قال ابن مسعود: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما بعث اللّه نبيّا إلّا و له حواريّ فيمكث النبيّ بين أظهرهم ما شاء اللّه، يعمل فيهم بكتاب اللّه و بأمره حتّى إذا قبض اللّه نبيّه مكث الحواريّون يعملون بكتاب اللّه و بأمره و سنّة نبيّهم، فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رءوس المنابر، يقولون ما يعرفون، و يعملون ما ينكرون، فإذا رأيتم ذلك فحقّ على كلّ مؤمن جهادهم بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ذلك فبقلبه ليس وراء ذلك إسلام» [٢].
و قال ابن مسعود: كان أهل قرية يعملون بالمعاصي و كان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون، فقام أحدهم فقال: إنّكم تعملون كذا و كذا فجعل ينهاهم و يخبرهم بقبيح ما يصنعون، فجعلوا يردّون عليه و لا يرعوون عن أعمالهم، فسبّهم فسبّوه و قاتلهم فغلبوه فاعتزل ثمّ قال: اللّهمّ إنّي قد نهيتهم فلم يطيعوني و سببتهم فسبّوني و قاتلتهم فغلبوني ثمّ ذهب، ثمّ قام الآخر فنهاهم فلم يطيعوه فسبّهم فسبّوه فاعتزل ثمّ قال: اللّهمّ إنّي قد نهيتهم فلم يطيعوني و سببتهم فسبّوني و لو قاتلتهم لغلبوني، ثمّ قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه فاعتزل عنهم، ثمّ قال: اللّهمّ إنّي قد نهيتهم فلم يطيعوني، و لو سببتهم لسبّوني و لو قاتلتهم لغلبوني ثمّ ذهب، ثمّ قام الرابع و قال: اللّهمّ إنّي لو نهيتهم لعصوني و لو سببتهم لسبّوني و لو قاتلتهم لغلبوني ثمّ ذهب، قال ابن مسعود: كان الرابع أدناهم منزلة و قليل فيكم مثله.
[١] أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بسند الحديث الذي قبله (المغني).
[٢] أخرج مسلم ج ١ ص ٥١ نحوه.
المحجة