المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٦
يلعبون و محمّد واقف معهم و كان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة فما حولها، فلمّا أقبل المأمون انصرف الصبيان هاربين و وقف أبو جعفر عليه السّلام، فلم يبرح مكانه،[١]فقرب منه الخليفة فنظر إليه و كان اللّه عزّ و علا قد ألقى عليه مسحة من قبول، فوقف الخليفة و قال: يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان؟ فقال له محمّد مسرعا:
يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسّعه عليك بذهابي، و لم يكن لي جريمة فأخشاها، و ظنّي بك حسن أنّك لا تضرّ من لا ذنب له، فوقف فأعجبه كلامه و وجهه، فقال له: ما اسمك؟ قال: محمّد، قال: ابن من أنت؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا ابن عليّ الرّضا، فترحّم على أبيه و ساق إلى وجهته، و كان معه بزاة[٢]فلمّا بعد عن العمارة أخذ بازيا فأرسله على درّاجة فغاب عن عينه غيبة طويلة ثمّ عاد من الجوّ و في منقاره سمكة صغيرة و بها بقايا الحياة، فتعجّب الخليفة من ذلك غاية العجب ثمّ أخذها في يده و عاد إلى داره في الطريق الّذي أقبل منه، فلمّا وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم، فانصرفوا كما فعلوا أوّل مرّة و أبو جعفر لم ينصرف، و وقف كما وقف أوّلا فلمّا دنا منه الخليفة قال: يا محمّد» قال: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال:
ما في يدي؟ فألهمه اللّه عزّ و جلّ أن قال: يا أمير المؤمنين إنّ اللّه تعالى خلق بمشيّته في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك و الخلفاء فيختبرون بها سلالة أهل بيت النبوّة، فلمّا سمع المأمون كلامه عجب منه، و جعل يطيل نظره إليه، و قال: أنت ابن الرضا حقّا، و ضاعف إحسانه إليه. و في هذه الواقعة منقبة تكفيه عن غيرها و يستغنى بها عن سواها.
و قال الشيخ المفيد- رحمه اللّه- [١]: و كان المأمون قد شغف بأبي جعفر عليه السّلام لما رأى من فضله مع صغر سنّه و بلوغه في العلم و الحكمة و الأدب و كمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزّمان فزوّجه ابنته أمّ الفضل و حملها معه إلى
[١] اى فلم يزل من مكانه و وقف.
[٢] بزاة جمع البازي و هو طائر معروف.
[١] الإرشاد ص ٢٩٩.
المحجة