المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧٠
اشتدّ بلاؤه، و من سخف إيمانه و ضعف عمله قلّ بلاؤه»[١].
و عنه عليه السّلام قال: «إنّ المؤمن من اللّه لبأفضل مكان- ثلاثا- إنّه ليبتليه بالبلاء ثمّ ينزع نفسه عضوا عضوا من جسده و هو يحمد اللّه على ذلك[٢].
ذكر كلام جامع ضابط في تحقيق معنى الامام و معنى الشيعة و معنى المخالف و تقسيم الناس بهذا الاعتبار
اعلم أنّ من اصطفاه اللّه تعالى من عباده و اختصّه من بينهم لنفسه، و أدّبه فأحسن تأديبه، و أكمل قوّتيه النّظريّة و العمليّة إلى أقصى كمالهما الممكن، ثمّ علّمه من لدنه علما و اطّلعه على أسراره و أحكامه و شرائعه، ثمّ وهب له مع كماله الّذي أعطاه قدرة على تكميل غيره من بني نوعه، بحيث يكون آخذا من اللّه سبحانه معطيا إلى خلقه، و يأتي كلاّ من الناس بما يصلح لعقله من غير أن يشغله الجنبة العالية من الجهة السافلة و لا العكس فهو إمام الناس و خليفة اللّه في أرضه على خلقه و حجّته على عباده، و العالم الربّاني و السابق المقرّب، نبيّا كان أو غير نبيّ إذ ربّ نبيّ ليس بإمام و ربّ إمام ليس بنبيّ، و الإمامة فوق النبوّة و قد يجمعهما اللّه لواحد كما جمعهما اللّه تعالى لنبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لإبراهيم صلوات اللّه عليه حيث قال: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.
روى في الكافي عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «الأنبياء و المرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، و نبيّ يرى في النوم، و يسمع الصوت و لا يعاينه في اليقظة، و لم يبعث إلى أحد، و عليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط عليهما السّلام، و نبيّ يرى في منامه، و يسمع الصّوت و يعاين الملك، و قد أرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا كيونس قال اللّه ليونس:
[١] الكافي ج ٢ ص ٢٥٢ تحت رقم ٢، و السخف: الخفة في العقل و غيره، و الفعل ككرم (النهاية).
[٢] المصدر ج ٢ ص ٢٥٤ تحت رقم ١٣. و قوله: «ثلاثا» أي قالها ثلاث مرات.
المحجة البيضاء، جلد٤، ص: ٣٧١
وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [١] قال: يزيدون ثلاثين ألفا و عليه إمام، و الّذي يرى في نومه، و يسمع الصوت، و يعاين في اليقظة، و هو إمام مثل أولى العزم و قد كان إبراهيم عليه السّلام نبيّا و ليس بإمام حتّى قال اللّه له: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي (فقال اللّه) لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ من عبد صنما أو وثنا لا يكون إماما» [٢].
و عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه تعالى: وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا ما الرّسول و ما النبيّ؟ قال: النبيّ الّذي يرى في منامه، و يسمع الصوت، و لا يعاين الملك، و الرّسول الّذي يسمع الصوت، و يرى في المنام، و يعاين الملك، قلت: الإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت، و لا يرى و لا يعاين الملك، ثمّ تلا هذه الآية و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبيّ (و لا محدَّث)[١].
و من وفّقه اللّه لمحبّة صاحب هذا المقام و موالاته و الاقتداء به و الاهتداء بهداه و الاقتفاء لأثره و التشييع له على طريقته و منهاجه في حركاته و سكناته و أفعاله و أحواله و الوقوف على أسراره و علومه بقدر طاقته و على حسب وسعه و يكون كلّما أخطأ أناب فأصاب و كلّما أذنب ذنبا رجع و تاب و كلّما زلّ قدمه استقام و آب و تبرّأ من الطّرق الباطلة و الأهواء الزّائغة و أهليها، و زهد في فضول الدّنيا و امتاز من بينها فهو الشّيعي و الخاصّي و السعيد و الناجي و المتعلّم على سبيل النّجاة، و المؤمن الممتحن و المتّقي و المقتصد، و صاحب الميمنة، و أهل اليمين، و من هو في مقابل هذا الشخص بأن يكون عدوّا للإمام غير مقتد به و لا مهتد بهداه و لا مقتفي أثره و لا واقف على أسراره بل مخالفا له في طريقته جاحدا أمره، متّبعا هواه مقبلا على دنياه فهو المخالف و العامّيّ و الشّقيّ و الهالك و المشرك و الضّال و الظالم و صاحب المشأمة و أهل الشمال، فهذه الثلاث حقائق من أفراد بني آدم متميّز بعضها من بعض، هي بمنزلة الأصول لأصناف الناس، ثمّ الأولى هي الأصل بالإضافة إلى الأخيرتين
[١] المصدر ج ١ ص ١٧٦. «و لا محدث» انما هو في قراءة أهل البيت عليهم السلام و هو- بفتح الدال المشددة- كما قاله المؤلف في الوافي.
[١] الصافات: ١٤٧.
[٢] الكافي ج ١ ص ١٧٤.
المحجة