المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨
الجهاد مع شدّة وجوبه في ابتداء الإسلام بدليل ما روي عن أبي هريرة أنّه قال:
«غزونا على عهد رسول اللَّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فمررنا بشعب فيه عيينة طيّبة الماء فقال: واحد من القوم: لو اعتزلت الناس في هذا الشعب، و لن أفعل ذلك حتّى أذكر لرسول اللَّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فذكر له فقال: لا تفعل فإنّ مقام أحدكم في سبيل اللَّه خير من صلاته في أهله ستّين عامّا، ألا تحبّون أن يغفر اللَّه لكم و تدخلون الجنّة؟ اغزوا في سبيل اللَّه فانّه من قاتل في سبيل اللَّه فواق ناقة أدخله اللَّه الجنّة» [١].
احتجّوا بما روي عن معاذ بن جبل أنّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّ الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ القاصية و الناحية و الشاردة، إيّاكم و الشعاب و عليكم بالعامّة و الجماعة و المساجد» [٢] و هذا إنّما أراد به من اعتزل قبل تمام العلم و سيأتي أنّ ذلك منهيّ عنه إلّا لضرورة.
ذكر حجج المائلين إلى تفضيل العزلة
احتجّوا بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثمّ قال: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا [٣] إشارة إلى أنّ ذلك بركة العزلة، و هذا ضعيف لأنّ مخالطة الكفّار لا فائدة فيها إلّا دعوتهم إلى الدّين، و عند توقّع اليأس عن إجابتهم فلا وجه إلّا هجرتهم و إنّما الكلام في مخالطة المسلمين و ما فيها من البركة إذ روي أنّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قيل له: الوضوء من جرّ مخمّر أحبّ إليك أو من هذه المطاهر الّتي يتطهّر منها النّاس؟ فقال: من هذه المطاهر التماسا لبركة أيدي المسلمين» [٤] و روي أنّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «لما طاف بالبيت عدل إلى زمزم ليشرب منها فإذا التمر المنقع في حياض الأدم قد مغثه الناس بأيديهم، و هم يتناولون منه و يشربون فاستسقى منه
[١] أخرجه الحاكم ج ٢ ص ٦٨ و قال: صحيح على شرط مسلم.
[٢] أخرجه أحمد في مسنده ج ٥ ص ٢٣٢.
[٣] مريم: ٤٩.
[٤] أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر و فيه ضعف كما في المغني.
المحجة