المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٣
فاثبت فيهم، أنفق من طولك على أهل بيتك، و لا ترفع عصاك عنهم أخفهم للَّه» [١] فهذه الأحاديث تدلّ على أنّ الفرار من الطاعون منهيّ عنه، و كذا القدوم عليه.
و سيأتي سرّ ذلك في كتاب التوكّل. فهذه أقسام الأسفار[١].
و قد خرج منه أنّ السفر ينقسم إلى مذموم و محمود و إلى مباح، و المذموم ينقسم إلى حرام كإباق العبد و سفر العاقّ، و إلى مكروه كالخروج من بلد الطاعون، و المحمود ينقسم إلى واجب كالحجّ و طلب العلم الّذي هو فريضة على كلّ مسلم، و إلى مندوب إليه كزيارة العلماء و زيارة مشاهدهم، و من هذه الأسباب يتبيّن النيّة في السفر، فإنّ معنى النيّة الانبعاث للسبب الباعث و الانتهاض لاجابة الدّاعية، و لتكن نيّته الآخرة في جميع أسفاره و ذلك ظاهر في الواجب و المندوب و محال في المكروه و المحظور، و أمّا المباح فمهما كان قصده بطلب المال مثلا التعفّف عن السؤال و رعاية ستر المروءة على الأهل و العيال و التصدّق بما فضل من مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النيّة من أعمال الآخرة، و لو خرج إلى الحجّ و باعثه الرياء و السمعة خرج عن كونه من أعمال الآخرة فقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«إنّما الأعمال بالنيّات» [٢] عامّ في الواجبات و المباحات دون المحظورات فإنّ النيّة لا تؤثّر في إخراجها عن كونها محظورة و قد قال بعض السلف: إنّ اللّه قد وكّل بالمسافرين ملائكة ينظرون إلى مقاصدهم فيعطى كلّ واحد على نحو نيّته، فمن كانت نيّته الدّنيا أعطي منها، و نقص من آخرته أضعافه، و فرّق عليه همّه، و كثر بالحرص و الرغبة شغله، و من كانت نيّته الآخرة أعطي من البصيرة و الفطنة و فتح له من التذكرة و العبرة بقدر نيّته و جمع له همّه و دعت له الملائكة بالاستغفار.
[١] كأن أبا حامد غفل عن السفر هجرة من بلد الذي لم يتمكن الإنسان عن الإتيان بما يجب عليه في الدين فيه و نسى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها.
[١] أخرج ذيله أحمد ج ٦ ص ٤٢١ و رواه البيهقي في الشعب و قال: فيه إرسال.
[٢] أخرجه مسلم و البخاري و قد تقدم غير مرة.
المحجة