المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥١
(١) أقول: و قد ذكرت فضل مسجد الكوفة أيضا و الصلاة فيه و قول أمير المؤمنين عليه السّلام في فضله: «لو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من أقطار الأرض و لو حبوا على الثلج» في كتاب أسرار الحجّ [١].
قال [٢]:
«القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من مشوّش للدّين
و ذلك أيضا حسن فالفرار ممّا لا يطاق من سنن المرسلين، و ممّا يجب الهرب منه الولاية و الجاه و كثرة العلائق و الأسباب، فإنّ كلّ ذلك يشوّش فراغ القلب، و الدّين لا يتمّ إلّا بقلب فارغ من غير اللّه، فإن لم يتمّ فراغه فبقدر فراغه يتصوّر أن يشتغل بالدّين و لا يتصوّر فراغ القلب في الدّنيا عن مهمّات الدّنيا، و الحاجات الضرورية و لكن يتصوّر تخفيفها و تثقيلها، و قد نجى المخفّون و هلك المثقلون: و الحمد للَّه الّذي لم يعلّق النجاة بالفراغ المطلق عن جميع الأوزار و الأعباء، بل قبل المخفّ بفضله و شمله لسعة رحمته، و المخفّ هو الّذي ليست الدّنيا أكبر همّه و ذلك لا يتيسّر في الوطن لمن اتّسع جاهه و كثرت علائقه، فلا يتمّ مقصوده إلّا بالغربة و الخمول و قطع العلائق الّتي لا بدّ عنها حتّى يروّض نفسه مدّة، ثمّ ربّما يمدّه اللّه بمعونته فينعم عليه بما يقوى به نفسه و يطمئنّ به قلبه، فيستوي عنده السفر و الحضر، و يتقارب عنده وجود الأسباب و العلائق و عدمها فلا يضرّ شيء منها عمّا هو بصدده من ذكر اللّه و ذلك ممّا يعزّ وجوده جدّا بل الغالب على القلوب الضعف و القصور عن الاتّساع للخلق و الخالق و إنّما يسعد بهذه القوّة الأنبياء و الأولياء، و الوصول إليها بالكسب شديد و إن كان للاجتهاد و الكسب فيها مدخل أيضا و مثال تفاوت القوّة الباطنة فيه كتفاوت القوّة الظاهرة في الأعضاء، فربّ رجل قويّ ذي مرّة سويّ، شديد الأعصاب، محكم البنية يستقلّ بحمل ما وزنه ألف رطل مثلا، فلو أراد الضعيف المريض أن ينال رتبته بممارسة الحمل و التدريج فيه قليلا قليلا لم يقدر عليه و لكن الممارسة و الجهد تزيد في قوّته زيادة ما، و إن كان ذلك لا يبلغه
[١] راجع المجلد الثاني ص ١٥٩.
[٢] يعنى أبا حامد.
المحجة