المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٧
الحقّ واحد أبدا، و القاصر عن الحقّ كثير لا يحصى، و لذلك سئل الصوفيّة عن الفقر فما من واحد إلّا و أجاب بجواب غير جواب الآخر، و كلّ ذلك حقّ بالإضافة إلى حاله و ليس بحقّ في نفسه إذ الحقّ لا يكون إلّا واحدا أبدا، و لذلك لا ترى اثنين منهم يثبت أحدهما لصاحبه قدما في التصوّف أو يثني عليه، بل كلّ واحد يدّعي أنّه الواصل إلى الحقّ و الواقف عليه، لأنّ أكثر تردّدهم على مقتضى الأحوال الّتي تعرض لقلوبهم فلا يشتغلون إلّا بأنفسهم و لا يلتفتون إلى غيرهم، و نور العلم إذا أشرق أحاط بالكلّ و كشف الغطاء و رفع الاختلاف، فهذا ما أردنا أن نذكره في فضيلة العزلة و المخالطة.
فصل [في آداب العزلة]
فإن قلت: فمن آثر العزلة و رآها أفضل له و أسلم فما آدابه في العزلة؟ فنقول:
إنّما يطول النظر في آداب المخالطة و قد ذكرناها في كتاب آداب الصحبة، و أمّا آداب العزلة فلا تطول، فينبغي للمعتزل أن ينوي بعزلته كفّ شرّ نفسه عن الناس أوّلا، ثمّ طلب السلامة من شرّ الأشرار ثانيا، ثمّ الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا، ثمّ التجرّد بكنه الهمّة لعبادة اللَّه رابعا، فهذه آداب نيّته، ثمّ ليكن في خلوته مواظبا على العلم و العمل و الذكر و الفكر ليجتني ثمرة العزلة و ليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه و زيارته فيتشوّش وقته و ليكفّ عن السؤال عن أخبارهم و عن الإصغاء إلى أراجيف البلد و ما الناس مشغولون به فإنّ كلّ ذلك ينغرس في القلب حتّى ينبعث في أثناء الصلاة أو الفكر من حيث لا يحتسب، فوقوع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض فلا بدّ و أن ينبت و يتفرّع عروقها و أغصانها و يتداعى بعضها إلى بعض و أحد مهمّات العزلة قطع الوساوس الصّارفة عن ذكر اللَّه و الأخبار ينابيع الوساوس و أصولها، و ليقنع باليسير من المعيشة و إلّا اضطرّه التوسّع إلى الناس و احتاج إلى مخالطتهم، و ليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الجيران، و ليسدّ سمعه عن الإصغاء إلى ما يقال فيه من ثناء عليه
المحجة