المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٦٢
كلّ حالاته، نيّته خالصة، أعماله ليس فيها غشّ و لا خديعة، نظره عبرة، و سكوته فكرة، و كلامه حكمة، مناصحا، متباذلا، متواخيا، ناصح في السرّ و العلانية، لا يهجر أخاه و لا يغتابه، و لا يمكر به، و لا يأسف على ما فاته، و لا يحزن على ما أصابه، و لا يرجو ما لا يجوز له الرّجاء، و لا يفشل في الشدّة، و لا يبطر في الرّخاء، يمزج العلم بالحلم و العقل بالصبر، تراه بعيدا كسله، دائما نشاطه، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقّعا لأجله،[١]خاشعا قلبه، ذاكرا ربّه، قانعة نفسه، منفيّا جهله، سهلا أمره، حزينا لذنبه، ميتة شهوته، كظوما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، ضعيفا كبره، قانعا بالّذي قدّر له، متينا صبره، محكما أمره، كثيرا ذكره، يخالط الناس ليعلم، و يصمت ليسلم، و يسأل ليفهم، و يتّجر ليغنم، لا ينصت للخبر ليفجر به، و لا يتكلّم ليتجبّر به على من سواه، نفسه منه في عناء، و الناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، فأراح الناس من نفسه، إن بغي عليه صبر، حتّى يكون اللّه الّذي ينتصر له، بعده ممّن تباعد منه بغض و نزاهة، و دنوّه ممّن دنا منه لين و رحمة، ليس تباعده تكبّرا و لا عظمة، و لا دنوّه خديعة و لا خلابة[٢]بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير فهو إمام لمن بعده من أهل البرّ».
قال: فصاح همّام صيحة ثمّ وقع مغشيّا عليه، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: أما و اللّه لقد كنت أخافها عليه و قال: هكذا تصنع الموعظة البالغة بأهلها فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين فقال: إنّ لكلّ أجلا لا يعدوه و سببا لا يجاوزه، فمهلا لا تعد فإنّما نفث على لسانك شيطان».
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «قال أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّ لأهل الدّين علامات يعرفون بها: صدق الحديث، و أداء الأمانة، و وفاء بالعهد، و صلة الأرحام و رحمة الضعفاء، و قلّة المراقبة للنّساء،- أو قال: قلّة المؤاتاة للنساء-[٣]و بذل المعروف،
[١] أي منتظرا له.
[٢] خلبه كنصره خلبا و خلابة: خدعه.
[٣] المؤاتاة: الموافقة و المطاوعة.
المحجة